وجهة نظر: تفعيل بند القوة القاهرة في عقود النفط: ماذا يعني في ظل توترات المنطقة؟

نشر في 16-03-2026
آخر تحديث 15-03-2026 | 16:39
د. دانه الدعيج
د. دانه الدعيج

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية حول مضيق هرمز، وإعلان دول خليجية، منها الكويت والبحرين، تفعيل بند «القوة القاهرة» في عقود النفط، يبرز تساؤل ملح: ما الذي تعنيه هذه الخطوة قانونياً؟ وهل هي إعلان عن التخلي عن الالتزامات التعاقدية؟ أم آلية لحماية المصالح في أوقات الأزمات؟ ولماذا تلجأ إليها الدول والشركات في مثل هذه الظروف؟ يستكشف هذا المقال مفهوم القوة القاهرة، ليقدم للقارئ فهماً واضحا ًلهذه الأداة القانونية الأساسية. 

الأصل في العقود أن تكون ملزمة لأطرافها وفقاً لمبدأ «العقد شريعة المتعاقدين» وهو مبدأ قانوني يقضي بوجوب تنفيذ الالتزامات التي يرتبها العقد على الطرفين. ويترتب على الإخلال بهذه الالتزامات عادة مسؤولية قانونية أو مالية، في الغالب منصوص عليها في العقد نفسه، غير أن القانون يأخذ في الاعتبار وقوع أحداث استثنائية قد تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً، إذا كان ذلك نتيجة ظرف خارج عن إرادة المتعاقد. وفي هذه الحالة يظهر مفهوم «القوة القاهرة» Force Majeure. وتعرف القوة القاهرة بأنها حدث خارجي لا يمكن توقعه ولا يمكن دفعه، ويؤدي إلى استحالة تنفيذ الالتزام المتفق عليه في العقد. لهذا السبب تتضمن كثير من العقود، خاصة في المعاملات الدولية، بنداً خاصاً بالقوة القاهرة يسمح للأطراف بعدم تنفيذ التزاماتهم التعاقدية إذا وقع حدث استثنائي خارج عن إرادتهم يجعل تنفيذ العقد مستحيلاً. 

تشترط القوانين عادة عدة عناصر لقيام حالة القوة القاهرة، أهمها أن يكون الحدث غير متوقع عند إبرام العقد، وأن يكون خارجاً عن إرادة الأطراف، وأن يستحيل دفعه أو تجنب آثاره، وأن يؤدي فعلاً إلى استحالة تنفيذ الالتزام. وقد تكون الاستحالة كاملة، مما يؤدي إلى إنهاء العقد، وقد تكون مؤقتة أو جزئية، وفي هذه الحالة يعلق تنفيذ الالتزامات إلى حين زوال الحدث الاستثنائي.

تبرز أهمية هذا المفهوم بشكل خاص في العقود الدولية لكون التجارة فيها عابرة للحدود، لا سيما في عقود الطاقة الطويلة الأجل مثل عقود النفط والغاز الطبيعي، حيث تستمر هذه العقود لسنوات طويلة وقد تتأثر بأحداث سياسية أو عسكرية أو طبيعية غير متوقعة. في مثل هذه العقود يعد بند القوة القاهرة من البنود الأساسية، لأنه ينظم كيفية التعامل مع الظروف الاستثنائية التي قد تعوق تنفيذ الالتزامات، مثل الحروب أو النزاعات المسلحة أو إغلاق الممرات البحرية أو الكوارث الطبيعية. فعلى سبيل المثال، ما يحدث حالياً من اضطرابات حول مضيق هرمز التي أدت إلى تعذر نقل النفط إلى الموانئ المتفق عليها. فإذا تحقق حدث من هذا النوع، فإن الأثر القانوني يكون غالباً تعليق تنفيذ الالتزامات طوال فترة استمرار الحدث، كما يعفى الطرف الذي تعذر عليه تنفيذ التزامه من المسؤولية المالية والقانونية خلال تلك الفترة. وبعد زوال الظرف الاستثنائي يستأنف تنفيذ العقد. أما إذا استمر الحدث مدة طويلة، فقد يجيز العقد لأي من الطرفين طلب إنهائه.

غالباً ما تتضمن العقود الدولية نصوصاً صريحة تنظم حالة القوة القاهرة، كما قد يستند المتعاقدون إلى قواعد دولية معروفة، مثل المادة 7.1.7 من مبادئ العهد الدولي لتوحيد قواعد القانون الدولي (اليونيدروا) للعقود التجارية الدولية، أو من خلال استخدام نموذج بند القوة القاهرة الصادر عن غرفة التجارة الدولية. كما يلتزم الطرف المتوقف عن أداء التزاماته عادة بإخطار الطرف الآخر فوراً، واتخاذ ما يلزم لتقليل آثار الحدث على تنفيذ العقد. 

ومن الجدير بالذكر أن القوة القاهرة تختلف عن الظروف الطارئة التي ترد على العقد، فعلى الرغم من تشابه النظريتين فإن هناك فرقاً جوهرياً بينهما يتعلق بأثر الحدث على تنفيذ الالتزام. فالظروف الطارئة تجعل تنفيذ الالتزام مرهقاً للمدين، بعكس نظرية القوة القاهرة التي تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً. وفي حالة الظروف الطارئة، يجوز للقاضي أن يعيد التوازن العقدي بأن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، أو أن يزيد الالتزام المقابل. كما أن نظرية القوة القاهرة، ليست من النظام العام، فيتعين الاتفاق عليها في العقد أو أن يقدر القاضي توافر عناصرها، بينما نظرية الظروف الطارئة من قواعد النظام العام، ويجوز التمسك بها حتى لو لم يرد بشأنها بند في العقد، ويمكن للقاضي إثارتها من تلقاء نفسه. 

لذلك، فإن إعلان حالة القوة القاهرة في عقود النفط في ظل الظروف الحالية لا يعني إلغاء العقود، بل هو إجراء قانوني وآلية معترف بها دولياً تهدف إلى تنظيم آثار الظروف الاستثنائية وحماية الأطراف المتعاقدة، إلى أن تعود الأوضاع إلى طبيعتها واستئناف تنفيذ الالتزامات التعاقدية. 

 

 

back to top