لبنان بين منطقين

نشر في 16-03-2026
آخر تحديث 15-03-2026 | 16:14
 د. بلال عقل الصنديد

يعيش لبنان مرحلة دقيقة، وربما غير مسبوقة، في حِدَّتها وتحدياتها، حيث تتقاطع تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة مع ارتدادات داخلية عميقة ومعقدة، فالبلد الذي ظل منذ نشأته، بحُكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية والطائفية، عرضةً لأزمات متكررة، يجد نفسه اليوم في دائرة خطر جديدة أدخلته فيها الصواريخ الستة التي أطلقها حزب الله، بتنسيق مُعلن مع الحرس الثوري الإيراني، مما حمَّلها رسائل سياسية أكثر التهاباً مما احتوته من متفجرات.

وفي المحصلة: تداعيات ثقيلة، دمار واسع، نزوح مئات الآلاف، خسائر بشرية مؤلمة، إضافة إلى مزيدٍ من الشلل في المؤسسات والاقتصاد، والضغط على البنية التحتية والتركيبة المجتمعية التي تعاني أساساً هشاشة بنيوية وتوازنات دقيقة.

في مواجهة ذلك، يحاول الموقف الرسمي اللبناني احتواء التصعيد ضمن حدود الممكن، إذ أعلن رئيس الجمهورية استعداد لبنان للدخول في مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، كما أكدت الحكومة التزامها بالقرارات الدولية، وباتفاقية وقف الأعمال العدائية، باعتبارها الإطار الناظم للوضع على الحدود، مع التشديد على ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية وحصر السلاح بيد الدولة.

غير أن هذه المساعي لا تُخفي عُمق الانقسام الداخلي، إذ يرى حزب الله أن تحركاته العسكرية تأتي في إطار الرد على الاعتداءات الإسرائيلية، فيما تعتبر غالبية القوى السياسية أن فتح الجبهة اللبنانية لم يكن في توقيت لبناني، ولا يخدم مصلحة البلاد، لا سيما مع تراجع التعاطف الإقليمي والدولي. وفي ظل تصعيدٍ أمني وأزمة داخلية تطول مؤسسات الدولة والاقتصاد، يجد لبنان نفسه أمام معادلة دقيقة، قوامها منطقان متناقضان.

ففي حين أعلن الأمين العام لحزب الله، في أحد خطاباته الأخيرة، أن «الموقف صعب»، مؤكداً أن الحزب سيقاتل «من أجل التاريخ»، يرى كثير من اللبنانيين أن لحظات التحوُّل التاريخي لا تُقاس بقوة التحدي، ولا بارتفاع الشعارات، بل بقدرة الدولة على توحيد الطاقات داخل مؤسسات رسمية قوية، وبالجرأة في اتخاذ القرار باللحظات الوطنية المفصلية. فحماية لبنان لا تتحقق إلا بدولة يحتكم إليها الجميع، وتُدار فيها قرارات الحرب والسِّلم بقرار وطني جامع، لأن الشعارات، مهما بلغت قوتها، تبقى عابرة. أما الأوطان، فلا تستقيم إلا عندما تسلك طريقها الطبيعي نحو الدولة.

وكما أن الخميني وافق في نهاية الحرب الإيرانية- العراقية على وقف القتال، و«تجرَّع السم»، إدراكاً منه بأن مصلحة الدولة ينبغي أن تتقدَّم على كل الرهانات والمسارات، فإن دواعي الحفاظ على لبنان وما تبقَّى من مقومات استقراره قد تدفع الرؤساء الثلاثة إلى تغليب المصلحة الوطنية، وتجرُّع مرارة الخيارات الصعبة، في إطار البحث عن تسويات واقعية تحت وطأة ضغوط إقليمية ودولية قاسية.

غير أنه عند توقف الحرب في المنطقة ولبنان، ومهما تكبَّد النظام الإيراني وحزب الله ولبنان من خسائر فادحة، ستُرفع رايات النصر، وستتردَّد عبارات الصمود والتصدي، الأمر الذي قد ينعكس في الداخل اللبناني على تعميق الشرخ البنيوي القائم، وقد يفضي- ما لم يغلب منطق المصلحة الوطنية- إلى مواجهة قاسية بأشكال متعددة بين حزب الله ومعارضيه المتمثلين في هذه اللحظة السياسية بالسُّلطة ومعظم القوى والأحزاب اللبنانية.

* كاتب ومستشار قانوني

back to top