بين الخوف واليقين
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾
في أوقات الاضطراب لا تُختبر قوة الدول فقط، بل يظهر فيها قوة اليقين.
ففي الأزمات تنتشر الشائعات وتتبدل القناعات، لكن القرآن يرسّخ في الإنسان الثبات على الحق حتى لو اضطرب الجميع.
حين تعلو أصوات الحرب، ينشغل الناس عادة بما يجري بالخارج، بالخبر العاجل، وبما تحمله الأيام من احتمالات. لكن القرآن يلفت النظر إلى ساحةٍ أخرى لا تقل خطورة: ساحة الإنسان نفسه.
ولهذا لم تكن السلسلة السابقة، مثل «كنوز البصيرة» مجرد تأملات فكرية، بل لبناء الإنسان، لأن التاريخ يثبت أن الأزمات الكبرى لا تُظهر قوة السلاح، بل تكشف قوة النفوس.
وقد لخّص الرسول ﷺ هذا المعنى: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف».
والقوة التي يتحدث عنها ليست استعراضية، بل اتزان القلب حين تضطرب الظروف.
وفي أوقات الرخاء قد لا تظهر هذه القوة بوضوح، أما حين تشتد الأحداث، فإنها تظهر على حقيقتها، لأن الإنسان لا يواجه العالم بما يملكه في الخارج، بل بما ترسّخ في قلبه.
ولهذا كان القرآن وسيرة النبي ﷺ مدرسة كاملة لبناء الإنسان الذي لا يفقد بصيرته حين تنتشر الفوضى، ولا يفقد توازنه حين تعلو الأصوات.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يصنع القرآن إنساناً ثابتاً في زمن الاضطراب؟
بالإيمان، وقد بيّن سيدنا - علي كرم الله وجهه - أن الإيمان على أربع دعائم: الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد. غير أن البداية الحقيقية تكون بالصبر، فلا يقين بلا صبر، ولا عدل يستقيم دون يقين، ولا جهاد يثبت إن لم يسبقه صبر.
غير أن الصبر في فهم القرآن ليس انتظاراً سلبياً لما ستأتي به الأحداث، فالانتظار غالباً ما يربط الإنسان بما يجري في الخارج، ويجعله أسير الأخبار والآمال.
والآمال حين تنفصل عن العمل تتحول إلى أوهام ينسجها الشيطان، فيبقى القلب معلقاً بما سيحدث غداً.
أما الصبر الحقيقي فمرتبط بالله، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
فالصبر ثبات القلب، ومن هذا الثبات يولد اليقين، إذ يفتح الله للإنسان بصيرة يرى بها الأمور على حقيقتها، فلا يتبع الشائعات، ولا تشتته كثرة الأخبار.
ولهذا كان القرآن يدعو إلى قراءته بتدبر. فالإنسان حين يعود إلى القرآن لا يهرب من الواقع، بل يستعيد توازنه أمامه.
لكن من لا يستطيع الصبر يبقى متعلقاً بالدنيا، يخاف على ما يملك ويتعلق بما قد يحدث. وهنا تبدأ الأوهام... فيعيش الإنسان أسير أمنيات لا تنتهي فيدخل في دوامة القلق والخوف المستمر.
أما الصبر فيبدأ بالشوق إلى الجنة... أي بالتعلق الدائم بالله. وحين يستقر الشوق في القلب، تضعف الشهوات، لأن القلب أصبح يبحث عن معنى أعلى من لذة عابرة.
ومع هذا الشوق يأتي الخوف الحق، الرهبة من الله... ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، لا الانشغال بخوف الغد. فإذا امتلأ القلب بهذه الرهبة، زال خوفه من الأحداث، لأن الطمأنينة تعلّقت بالله لا بالظروف.
ومن هنا ينشأ الزهد، ليس ترك الدنيا، بل أن تهون المصائب في عين الإنسان لأنه يعلم أن كل شيء بيد الله.
وعند هذه النقطة تتكوّن القوة التي تحدث عنها النبي ﷺ حين قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف».
إنها قوة لا تأتي من الخارج، بل تنشأ في القلب، يمنحها الله لمن عرف طريقه إليه. وحين تستقر هذه القوة، يصبح الإنسان ثابتاً أمام الأحداث، لأن ما استقر في قلبه بات أقوى مما حوله.
ولهذا يبقى القرآن عبر العصور مصدر الطمأنينة والقوة للمؤمنين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾