على الطريق... الخطاب الإعلامي بين الاستقطاب والمهنية
كشفت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، عن أزمة حقيقية في جزء من الخطاب الإعلامي، فبدلاً من تقديم قراءة صادقة ومسؤولة للأحداث وطرح حقائق تستند إلى التحليل السياسي الرصين، انحرف بعض الإعلاميين والنشطاء إلى مواقف حادة يغلب عليها الانحياز العقائدي والاصطفاف السياسي، الأمر الذي أفقد خطابهم الكثير من المصداقية والموضوعية.
لقد تحوَّل بعض هؤلاء إلى ما يُشبه منصات دعائية، يكررون روايات جاهزة منقولة من أطراف مشبوهة غير صادقة، ويقدمون تحليلات تفتقر إلى العُمق والمنهجية. وفي كثيرٍ من الأحيان لا يقوم هذا الخطاب على دراسة المصالح الإقليمية أو قراءة موازين القوى، بقدر ما يعتمد على شعارات عاطفية أو خطاب شعبوي يهدف إلى تبرير مواقف طرفٍ سياسي بعينه. هذا النمط من الطرح لا يخدم وعي الجمهور بقدر ما يعمِّق حالة الاستقطاب، ويزيد من ضبابية المشهد.
الإعلام في جوهره يفترض أن يكون مساحة للنقاش العقلاني وتبادل الآراء، وأن يقوم على التحقق من المعلومات، وتقديم رؤى متعددة تساعد المتلقي على تكوين فهم أوسع للأحداث، غير أن الخطاب المؤدلج يقوِّض هذه الوظيفة، إذ يتحوَّل الإعلامي من محللٍ إلى مدافع، ومن ناقلٍ للوقائع إلى طرفٍ في الصراع، ومع مرور الوقت يُصبح من الصعب إقناع مَنْ يتبنى هذا النهج بوجهات نظر مختلفة، لأن القناعة لا تعود قائمة على الأدلة، بل على الانتماء الفكري أو السياسي.
كما أن الطائفية والخطابات القائمة على الهوية الضيقة تلعب دوراً خطيراً في تشكيل هذا النوع من التحليل، فعندما يتم تفسير كل حدثٍ سياسي من خلال منظور طائفي أو عقائدي تختفي حقيقة الصراع، ويجري تبسيط الواقع إلى معادلات ثنائية حادة مع أو ضد حليف أو عدو، هذه المقاربة لا تساعد على فهم المنطقة بقدر ما تعمِّق الانقسامات داخل المجتمعات العربية نفسها.
إن الحاجة اليوم إلى إعلام عربي أكثر استقلالية واحترافية أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقتٍ مضى، فالمشهد الإقليمي معقَّد ومليء بالتقاطعات السياسية والاقتصادية والعسكرية، ولا يمكن اختزاله في شعارات أو اصطفافات مسبقة المطلوب، هو خطاب إعلامي يُوازن بين النقد والموضوعية، ويضع الحقيقة ووعي الجمهور فوق أي اعتبارات أيديولوجية أو ولاءات سياسية.
في النهاية، قوة الإعلام لا تُقاس بقدرته على الدفاع عن طرفٍ معيَّن، بل بقدرته على تبيان الحقائق وفتح المجال أمام نقاشٍ عقلاني يُسهم في بناء وعيٍ عام أكثر نضجاً وقدرة على فهم التحولات التي تعصف بالمنطقة.