فطين عبدالوهاب... عراب الكوميديا الراقية (2 ـ 2)

صانع البهجة يودّع جمهوره قبل عرض «أضواء المدينة»

نشر في 15-03-2026
آخر تحديث 16-03-2026 | 19:37
تحوّل فطين عبدالوهاب من مساعد مخرج إلى واحد من أبرز المخرجين في السينما المصرية، وقدم في الخمسينيات باقة من الأفلام الكوميدية الناجحة، شارك فيها الكثير من نجوم الشاشة الفضية، وتناغمت بين المضمون الهادف وجماليات السرد السينمائي، وخاض تجربة بالغة الإثارة في الإخراج المشترك مع زميله المخرج كمال الشيخ في فيلم «الغريب» (1956)، وكان له السبق في إخراج أول سلسلة أفلام باسم ممثل مصري، ساهمت في نجومية الفنان إسماعيل ياسين، قبل أن تتوالى الرحلة. تمرد فطين على النمطية السائدة في الأفلام الكوميدية، وأثار دهشة الجمهور وزملائه المخرجين، بإعادة اكتشافه لمواهب نجوم اشتهروا بأداء أدوار الشر والخير والفتى الوسيم والشخصية المقهورة، وبدَّل أقنعة من شاركوا في أفلامه، كأنهم يمثلون لأول مرة، ويخرجون طاقاتهم الكامنة، ومن أبرز هؤلاء عميد المسرح العربي يوسف وهبي الذي اشتهر بأعماله التراجيدية على خشبة المسرح وشاشة السينما، وتحوله إلى نجم كوميدي يفجر الضحك بخفة ظله، بعد سنوات من التألق في تجسيد الشخصيات المأساوية. ورحل فطين قبل عرض فيلمه الأخير «أضواء المدينة» بشهور قليلة، إثر إصابته بنوبة قلبية مفاجئة في مطار بيروت. 

التقى فطين في بداية مشواره الفنان يوسف وهبي، ونال فرصته الحقيقية عندما طلب وهبي منه العمل مخرجاً مساعداً في فيلم «بنات الريف» (1945) بأجر 250 جنيهاً، وبعد شهرة عبدالوهاب كمخرج للأفلام الكوميدية، خرج من دائرة اهتمام النجم التراجيدي، وظلت علاقتهما كزميلين في الوسط الفني.

وبعد 15 عاماً، تجدّد اللقاء بين وهبي وعبدالوهاب، واستطاع الأخير إقناعه بأداء دور كوميدي في فيلم «إشاعة حب» (1960)، المقتبس من «حديث المدينة» للكاتب المسرحي الأميركي جون إيمرسون، وفي البداية رفض وهبي بشكل قاطع تجسيد شخصية «الأب المتصابي» ورأى أنها منافية لتاريخه الفني، لكن المخرج لم يستسلم، وبعد مناقشات طويلة وقّع عملاق التراجيديا عقد الاشتراك في الفيلم الفكاهي.

والمعروف أن يوسف وهبي كان يتمتع بخفة ظل متناهية في حياته الخاصة، وكواليس أعماله الفنية، وكان ظهوره بشخصه كضيف شرف في فيلم «غزل البنات» (1949) يلمح إلى موهبة كوميدية كامنة، وهو يقف أمام عملاق الكوميديا نجيب الريحاني. واستطاع مخرج الفيلم أنور وجدي أن يجمع عملاقي التراجيديا والكوميديا في عمل سينمائي، لدقائق معدودة، وانطوت تلك الصفحة، حتى فتحها من جديد المخرج النابه فطين عبدالوهاب.

بيروت والقاهرة شهدتا تفاصيل اللحظات الأخيرة من حياة فطين

اقرأ أيضا

وأثناء التحضير لفيلم «إشاعة حب» طلب المخرج من السيناريست علي الزرقاني ومحمد أبويوسف إجراء تعديلات على الشخصية، وإدخال بعض العبارات بالفصحى ذات طابع كوميدي، وتحمل أصداء من عبارات وهبي التراجيدية، منها «اغرُب عن وجهي يا محطِّم قلوب العذارى»، وفي مشهد آخر يقول: «نرجو إرسال الملايات اللف إلى المحاربين القُدامى في باريس». 

وتعامل عبدالوهاب باحترافية شديدة مع فنان في قامة وهبي، ومنحه بطولة موازية للنجمين الشابين عمر الشريف وسعاد حسني، وظهر اسمه بشكل مميز في تتر البداية (بالاشتراك مع عميد المسرح والسينما الممثل الكبير يوسف وهبي)، وكسب المخرج الرهان، وتعالت الضحكات في صالات العرض، وحقق الفيلم نجاحاً جماهيرياً كبيراً، وشارك في بطولته عبدالمنعم إبراهيم ووداد حمدي وآمال شريف وجمال رمسيس، وضيفة الشرف هند رستم، ويعد «إشاعة حب» من أهم الأفلام الكوميدية في تاريخ السينما المصرية، وما زال يحقق نسبة مشاهدة عالية حتى اليوم حين يُعرض بالتلفزيون.

اعترافات زوج

وبعد نجاح «إشاعة حب» التقى عبدالوهاب مع يوسف وهبي والسيناريست علي الزرقاني في فيلم «اعترافات زوج» (1964)، وشارك في بطولته فؤاد المهندس وشويكار وهند رستم وأحمد رمزي وماري منيب، ودارت الأحداث في إطار كوميدي.

وجسّد وهبي شخصية المسن المتصابي مرة أخرى، وبرع في أدائها، وخطف الأنظار أمام كوكبة من نجوم الفكاهة، وبدأ الجمهور يرى نجمه المفضل يسير في اتجاه آخر، ويثري تاريخه الفني بتلك النوعية من الأدوار، وبعدها اهتم مخرجون آخرون بتقديمه في ثوبه الكوميدي الجديد، منهم المخرج كمال الشيخ في فيلم «ميرامار» (1969) قصة الأديب نجيب محفوظ، ولعب وهبي دور «طُلبة مرزوق» ويعد من أهم أدواره السينمائية.

عبدالوهاب والرحبانية يلتقيان نجاة بـ «7 أيام في الجنة»

الفانوس السحري

توقف فطين عبدالوهاب في بداية الستينيات عن إخراج سلسلة أفلام إسماعيل ياسين، واستمر تعاونهما في ثلاثة أعمال أخرى، أولها «الفانوس السحري» (1960)، تأليف أبوالسعود الأبياري، وشارك في البطولة عبدالسلام النابلسي وكريمان وخيرية أحمد، وتدور أحداثه في إطار فانتازيا كوميدية. وفي العام ذاته «حايجنوني» تأليف وتمثيل عبدالمنعم مدبولي، وشارك في البطولة سامية جمال وتوفيق الدقن.

وفي عام 1962 انتهت شراكة دامت لأكثر من عشر سنوات، وأخرج فيلمه الأخير «الفرسان الثلاثة» لزميل مشواره الفني، وظلت صداقتهما ممتدة حتى النهاية، وحضر الفنان إسماعيل ياسين جنازة صديق عمره، وكان متأثراً جداً وحزيناً عليه، ورحل إسماعيل بعد صديقه فطين بـ 12 يوماً فقط في 24 مايو 1972.

مخرج «إشاعة حب» يكتشف موهبة يوسف وهبي الكوميدية

«دوارين في الشوارع» 

برع فطين عبدالوهاب في تقديم الفيلم الغنائي الكوميدي، وكعادته أضفى بُعداً اجتماعياً لأفلامه، ويعد «7 أيام في الجنة» (1969) مغامرة سينمائية لصانع البهجة والمنتج رمسيس نجيب، وشهد الظهور الوحيد للمطربة نجاة الصغيرة في فيلم من إخراجه، وتوفرت عناصر فنية مختلفة ساهمت في نجاح ذلك العمل. 

وتحوّل إلى حدث سينمائي ضخم، بعد أن حصل المنتج والمخرج على موافقة الموسيقار محمد عبدالوهاب لتلحين بعض أغاني الفيلم، وغنت نجاة من ألحانه «يا مرسال الهوي» كلمات حسين السيد، و»إلا أنت» كلمات الشاعر مأمون الشناوي، ولحّن الموسيقار سيد مكاوي اسكتش «ياسنيوريتا» أداء الفنان أمين الهنيدي، وكلمات الشاعر صلاح حاهين.

ويعد فطين عبدالوهاب أول مخرج مصري يتعاون مع الرحبانية، وقام «عاصي ومنصور» بتأليف وتلحين أغنية «دوارين في الشوارع»، وبرع المخرج في تصوير الأغنية خارج الاستديو، وانطلقت نجاة تغني في شوارع الإسكندرية.



«عفريت مراتي» يشهد تألق الثنائي شادية وصلاح ذوالفقار

كلمة الحق

التقى فطين عبدالوهاب الفنانة شادية في فيلمه الأول «نادية» (1949)، ووقتها كانت تشق طريقها إلى النجومية، ثم في فيلم «كلمة الحق» (1953)، وبعد سنوات، كوَّن المخرج شراكة فنية مع شادية وزوجها آنذاك الفنان صلاح ذوالفقار، وأخرج لهما «مراتي مدير عام» (1966)، عن قصة للأديب عبدالحميد جودة السحار وسيناريو سعدالدين وهبة، وتناول في إطار كوميدي قضية اجتماعية حول حق المرأة في إثبات وجودها وارتقائها إلى أعلى المناصب.

وحصل «مراتي مدير عام» على جائزة أفضل فيلم لعام 1966 من مهرجان المركز الكاثوليكي للسينما، ونال بطله ونجمه صلاح ذوالفقار جائزة الدولة في الإنتاج. واحتل الفيلم المركز رقم 35 بقائمة أفضل مئة فيلم في ذاكرة السينما المصرية حسب استفتاء النقاد بمناسبة مرور مئة عام على أول عرض سينمائي بمدينة الإسكندرية (1896ـ1996).  

تلويحة الوداع 

وتجدد اللقاء مع الثنائي شادية وذوالفقار في «كرامة زوجتي» (1967) و»عفريت مراتي» (1968)، وفي العام ذاته أخرج فطين تحفته الفنية «أرض النفاق» قصة الأديب يوسف السباعي وسيناريو سعدالدين وهبة، وبطولة فؤاد المهندس وشويكار وسميحة أيوب.

وشاء القدر أن تشارك الفنانة شادية في أول أفلامه، وتقوم ببطولة فيلمه الأخير «أضواء المدينة» (1972)، وبدا الفيلم كتلويحة وداع للمخرج المبدع من زملائه، بظهورهم كضيوف شرف، منهم المخرجان صلاح أبوسيف وحسين كمال والنجمان أحمد مظهر وأحمد رمزي.

ورحل فطين عبدالوهاب قبل عرض فيلمه الأخير بشهور قليلة، إثر إصابته بنوبة قلبية مفاجئة في مطار بيروت، واحتشدت جموع غفيرة في جنازته بالقاهرة، وانطوت برحيله صفحة لا تُنسى في تاريخ السينما المصرية.

سميحة أيوب تلتقي شويكار والمهندس في «أرض النفاق»

«الدرامز» تثير أزمة بين زكي فطين عبدالوهاب ووالده
استعاد المخرج زكي فطين عبدالوهاب (1955 ــ 2022) ذكرياته مع والده في مناسبات عدة، وأنه كان في السابعة عشرة من عمره عندما توفي والده فجأة، وشعر في تلك الفترة بالفقد الشديد، لأنه لم تكن هناك صداقة حقيقية تجمعهما، وكان يتمنى أن تتحوّل علاقته بوالده إلى صداقة.
وتحدث زكي عن الجانب المالي في حياة والده، وأنه رغم الثراء الكبير الذي كان يعيش فيه والده ووالدته، فإن والده رحل فقيراً وليس لديه حساب في البنك، واستشعر من خلال تعامله معه أنه يحاول إبعاده عن الاشتغال بالفن، وكانت قراراته حازمة، ولا يقبل النقاش في كثير من الأمور، وظلت علاقته بوالده، أقرب إلى الاحترام والرهبة منها إلى الصداقة.
وروى زكي أنه في إحدى المرات، أعجب أحد أساتذة زكي في الموسيقى بموهبته في العزف على آلة «الدرامز» ونصحه أن يدرسها في أميركا، وعندما سمع والده بذلك أخذ «الدرامز» ووضعها في مكان بعيد، وقال له: «لمّا تخلّص دراستك في المدرسة والجامعة، نبقى نتكلم في الموضوع دا».
وظل فطين عبدالوهاب يعارض بشدة دخول ابنه مجال الفن، لدرجة أن زكي قال إنه لو كان والده على قيد الحياة وعلم بدخوله معهد السينما «كان حيرميني من الشباك».
وسار زكي على نهج والده، وأصبح مخرجًا سينمائيًا، وقدم بعض الأفلام الجيدة، منها «رومانتيكا» (1996)، وعمل ممثلًا في العديد من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، أبرزها فيلم «بحب السيما» للمخرج أسامة فوزي، و»سكوت حنصور» إخراج يوسف شاهين.

سعيد أبوبكر يقنع ليلى مراد بالزواج من صديقه المخرج
تزوج فطين عبدالوهاب أربع مرات كانت أولاها وأشهرها زواجه من الفنانة ليلى مراد بعد أن ظل يراقبها ويحبها في صمت، وقد حاول كثيراً لفت نظرها إليه، لكنها كانت عازفة عن الزواج خصوصاً بعد خروجها من تجربتين فاشلتين، الأولى زواجها من الفنان أنور وجدي والثانية من أحد الضباط.
وتوّسط الفنان سعيد أبوبكر لصديقه المخرج، وتم التقارب بين فطين وليلى وتزوجا في عام 1955 وبلغ المهر الذي دفعه فطين لليلى مراد 25 قرشاً ذهبياً، ومؤخر الصداق ألف جنيه، وأنجب منها ابنه الوحيد الفنان الراحل زكي فطين عبدالوهاب.
وجمع بينهما الحب والفن وبعض الهوايات المشتركة مثل لعب الورق، واستطاع فطين أن يخلِّص ليلى من ابتعادها عن الحياة العامة، وكان يأخذها إلى دور السينما ويجلسان معاً وسط الجمهور، والمعروف أنها ذهبت للسينما مرات قليلة، واعتادت أن تجلس في «لوج» خاص، وبعد سنوات عرفت الخلافات طريقها إليهما، وتم الطلاق بعد زواج دام لمدة 12 عاماً.
وكانت الزيجة الثانية من الفنانة تحية كاريوكا، لكن فطين كان شديد الغيرة عليها ولم يحتمل كثرة المعجبين حولها، فتم الطلاق بعد وقت قصير دون إنجاب. ثم تزوج في المرة الثالثة من إحدى نجمات الخمسينيات «هاجر حمدي»، وتم الطلاق لغيرته الزائدة، وكانت الزيجة الرابعة من السيدة منيرة شقيقة الفنانة نجلاء فتحي.

back to top