وجهة نظر: إيجابيات تتعدى سعر برميل النفط!
اضطرار دول مثل الكويت والعراق إلى خفض إنتاجها النفطي يأتي كاستجابة مباشرة للاضطرابات التي أحدثتها الحرب الحالية في مسارات النقل والطاقة. فعملياً، يشكل تعطل أو تهديد الممرات البحرية الرئيسية مثل مضيقي هرمز وباب المندب عائقاً أمام حركة ناقلات النفط، كما أن تعطيل منافذ تصدير بديلة خارج الخليج – مثل خطوط وموانئ جاسك والفجيرة وينبع والدقم وحتى مسارات كردستان – يقلّص قدرة المنتجين على الالتفاف على هذه الاختناقات. في ظل غياب مسارات بديلة فعّالة لتدفق النفط والغاز، يصبح الإنتاج موجهاً بدرجة أكبر لتغطية الاستهلاك المحلي أو للتخزين المؤقت بدلاً من التصدير.
تقديرات السوق تشير إلى احتمال اختفاء نحو 30 مليون برميل مكافئ يومياً من المعروض، منها قرابة 11 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز، يشكل إنتاج قطر والإمارات نحو 95% منه.
وفي المقابل، يُتوقع أن يرتفع الطلب العالمي في 2026 بنحو 0.8 إلى 1.2 مليون برميل يومياً ليقترب من 106 ملايين برميل. ومع ارتفاع كلف التأمين والنقل وأسعار الخام وحتى كلفة الكربون، والتي بلغت 15% من قيمة البرميل (من 2% قبل الحرب)، فإن القفزات السعرية المتقاربة قد تُحدث اختلالاً واضحاً في توازن السوق. ولا يُتوقع أن يختلف موقف دول مثل السعودية والإمارات كثيراً، حتى مع امتلاكها منافذ تصدير خارج الخليج.
في ظل تراجع الإمدادات، تبقى بدائل تعويض النقص محدودة زمنياً وقد لا تكفي لأكثر من نحو عشرين يوماً في أفضل التقديرات. ويعتمد التعويض أساساً على السحب من عدة مصادر، أولها القدرة الإنتاجية الاحتياطية المقدرة بنحو 2.5 إلى 5 ملايين برميل يومياً، وإن كان تشغيلها الكامل يحتاج إلى استقرار لوجستي وأمني. كما يمكن اللجوء إلى المخزونات الاستراتيجية لبعض دول الخليج، ومنها المخزون الكويتي الموجود في مرافق تخزين خارج الخليج.
ويضاف إلى ذلك المخزون التجاري سواء داخل الدول المنتجة أو في مراكز التخزين العالمية.
ومع ذلك، تبقى المخزونات المحلية موجهة أساساً لتأمين الاستهلاك الداخلي، ما يحدّ من قدرتها على تعويض النقص لفترة طويلة.
في حال اضطرت بعض الدول العربية المنتجة للنفط إلى خفض إنتاجها نتيجة الحرب، فإن التداعيات الاقتصادية ستعتمد على مجموعة من الفرضيات، أبرزها استئناف التصدير الفني خلال نحو ثلاثة أشهر، وعدم تعرض البنى التحتية النفطية لدمار واسع. في هذا الإطار، من المرجح أن تواجه الموازنات العامة عجزاً يتراوح بين 15 و20% نتيجة تراجع الصادرات النفطية مؤقتاً. غير أن جزءاً من هذا الأثر قد يُعوض بارتفاع الطلب العالمي على الطاقة وارتفاع الأسعار، إلى جانب انخفاض بعض الكلف التشغيلية المرتبطة بالإنتاج والنقل لكل برميل في ظل تقليص العمليات.
على مستوى السوق الدولية، قد تحمل هذه التطورات بعض الآثار الإيجابية لتحالف «أوبك+»، إذ قد تعزز مستوى الانسجام الجيو-اقتصادي بين الدول الأعضاء التي تتقاطع في هياكلها الاقتصادية المعتمدة على الطاقة. كما قد تمنح التحالف قدرة أكبر على إدارة توازنات الأسعار في الأسواق العالمية، خصوصاً مع احتمال تقلص فائض المخزونات النفطية العالمية، وقد بدت مؤشراتها بقرار سحب دول السبع 120 مليون برميل من مخزونها الاستراتيجي. وفي هذا السياق قد تعود قواعد التداول في السوق إلى معادلة أكثر وضوحاً تقوم على توازن العرض والطلب الفعلي، بعد سنوات من التقلبات المرتبطة بالعوامل الجيوسياسية، المالية، والمضاربات. كذلك قد تدفع هذه الأزمة إلى مراجعة أوسع لبعض اعتبارات نظام العولمة، خصوصاً ما يتعلق بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد الاستراتيجية.