كيف تعيد الحروب ترتيب أولويات المجتمع الكويتي؟
حين تندلع الحروب في حياة أي مجتمع بشري، فإن تأثيرها لا يبقى حبيس غرف العمليات العسكرية أو حسابات الاستراتيجيات للدولة، بل يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية للناس والشعب، فالحروب لا تغيّر خرائط الدول فحسب، بقدر ما تعيد تشكيل إيقاع التفكير الجمعي للشعوب، وتدفع المجتمعات إلى إعادة ترتيب سُلّم أولوياتها في حياتها، ففي أوقات الاستقرار ينشغل الناس عادةً بقضايا المعيشة والوظائف ومستوى الخدمات والرفاه الاجتماعي، وتدور الأحاديث في المجالس ووسائل التواصل حول تفاصيل الحياة اليومية، غير أن حصول التوتر الجمعي المفاجئ، كما يحدث اليوم مع التصعيد القائم بين الولايات المتحدة وإيران في محيط الخليج وتأثُّر الكويت بذلك، يغيّر هذا الإيقاع فجأة، ويجعل المجتمع الكويتي يعيد النظر فيما هو مهم وما هو ثانوي.
لذلك نجد في الحالة الكويتية تحديداً، تبدو هذه التحولات أكثر وضوحاً، لأنّ الشعب الكويتي ليس مجتمعاً يراقب الأحداث من مسافة بعيدة، بل مجتمع عاش تجربة تاريخية قاسية تركت أثراً عميقاً في ذاكرته الوطنية، وهي تجربة الغزو العراقي عام 1990، وهذه الذاكرة ليست مجرد حدث في كتب التاريخ، بل تجربة إنسانية وسياسية شكّلت وعياً جمعياً لدى الكويتيين، وجعلتهم أكثر حساسية تجاه أي توتر إقليمي يقترب من حدود دولتهم أو يهدد استقرار الخليج.
ولهذا، فعندما تتصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، يتغيّر المزاج الاجتماعي داخل المجتمع الكويتي بشكل ملحوظ، فالمجالس التي كانت تناقش تفاصيل الحياة اليومية تتحول إلى فضاءات للنقاش حول الأمن والاستقرار ومستقبل المنطقة ومستقبل الكويت، ويتراجع الحديث عن التفاصيل الصغيرة أمام قضايا أكبر تتعلق بحماية الدولة واستقرارها، ويبدأ المواطن الكويتي، بحُكم تجربته التاريخية ووعيه السياسي، في النظر إلى الدولة باعتبارها الضامن الأول للأمن والاستقرار.
كما تكشف هذه اللحظات عن طبيعة المجتمع نفسه، فالمجتمع الكويتي، الذي يقوم على شبكة متماسكة من العلاقات الاجتماعية والتاريخية، يميل في أوقات الأزمات إلى تعزيز روح التضامن الداخلي، وإلى استحضار قيم الوحدة الوطنية التي ظهرت بوضوح في اللحظات الصعبة التي مرّت بها البلاد في تاريخها الحديث.
ومن هنا، فإن الحروب بشكل عام لا تختبر فقط قدرات الدول العسكرية والتنظيمية، بقدر ما تختبر أيضاً وعي المجتمعات وفهمها لأولوياتها، فالشعب الواعي لا يسمح للخوف أو الشائعات بأن تتحكم في مزاجه العام، بل يعيد ترتيب أولوياته حول حماية الاستقرار الداخلي وتعزيز التماسك الوطني.
*باحث اكاديمي