تقرير اقتصادي: إلى أين يتجه اقتصاد العالم وسط سيناريوهات الحرب الإقليمية؟
● لتعطل إمدادات النفط تأثيرات سلبية على التضخم وسلاسل التجارة والنمو العالمي
● وقف تصدير الكويت للنفط وتقلّص استيراد البضائع يستوجبان وجود خطة طوارئ اقتصادية
● سعر 120 دولاراً للبرميل مثل صورة من لعبة «عضّ الأصابع»
مع دخول الحرب الإقليمية في منطقة الخليج العربي أسبوعها الثاني، تصاعدت حدة التداعيات الاقتصادية الإقليمية والعالمية، وكان العنوان الأبرز لتلك التداعيات هو القفزة السعرية القياسية لأسعار الطاقة من النفط والغاز كإحدى الصدمات الاقتصادية، على غرار أزمة تصدير النفط عام 1973، أو حتى الحرب الروسية - الأوكرانية، في وقت يتخوف الاقتصاد العالمي من حدوث تداعيات سلبية كارتفاع مستويات التضخم وتعطل سلاسل الإمدادات التجارية، وزيادة مخاطر التغطية التأمينية، وإحداث ربكة في حركة السفر والطيران.
فقد دفعت المخاوف بشأن الإمدادات المرتبطة بمخاطر المرور من مضيق هرمز ووقف الكويت وقطر والعراق صادراتها من النفط والغاز، إلى جانب تقلص جوهري في صادرات السعودية والإمارات، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط في ذروتها بـ 30 بالمئة الى 120 دولارا للبرميل، وزادت أسعار الغاز الأوروبي، الذي يعتمد بشكل كبير على صادرات قطر بـ 80 بالمئة الى 70 دولارا لكل ميغاواط/ساعة، وهي مستويات تعيد إلى الأذهان الأسعار التي سادت مع اشتعال الحرب الروسية - الأوكرانية قبل 4 سنوات.
صندوق النقد يحذر من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10% طوال العام سيؤدي إلى زيادة التضخم العالمي 40 نقطة أساس
عض الأصابع
ويبدو أن سعر 120 دولارا لبرميل النفط مثّل صورة من لعبة «عض الأصابع»، وهي لعبة رومانية قديمة يتقابل فيها شخصان يضع كل منهما أصابعه في فم الآخر ويبدآن العض معاً، ومن يصرخ أولاً يكون هو الخاسر، وغالبا يصرخ المتنافسان في نفس اللحظة أو بطريقة متتابعة، فبعدما أعلنت إيران أنها لا تستهدف إلا السفن الأميركية، وستسمح بعبور السفن عبر «هرمز»، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصريحات بأن الولايات المتحدة حققت معظم أهدافها من الحرب، وأن العملية العسكرية قد تنتهي قريبا، مما عكس مسار أسعار النفط الى 86 دولارا لخام برنت و85 دولارا للخام الأميركي، حسب تعاملات صباح أمس الأربعاء.
تحوُّط واحتياطيات
وتصاعدت السياسات التحوطية تجاه مخاوف حدوث أزمة إمدادات طاقة عالمية تؤثر سلبا على الاقتصاد العالمي تضخما وإنتاجا، صناعة وتجارة، وغيرها، مما حدا بوكالة الطاقة الدولية الى دعوة العديد من الدول وأبرزها مجموعة السبع للسحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية بكميات ضخمة تغطي شح الإمدادات في الأسواق، خصوصا إذا دخلت الحرب مرحلة يصعب التنبؤ بمساراتها في إقليم يوفر للعالم خُمس الاحتياجات العالمية من النفط، ونحو 17 في المئة من الطلب على الغاز.
الكويت أعلنت «القوة القاهرة» في تصدير النفط... وكميات التخزين الخارجية تغطي التزامات فترة قصيرة لا تتجاوز أسبوعاً
سيناريوهات وصعوبات
وتشير هذه السياسات إلى أن أسواق النفط تسعّر مخاطر الحرب الإقليمية وفق سيناريوهات ليست قصيرة، بل إن ثمة سيناريوهات تعتبر أن أسعار النفط ستظل متقلبة لفترة أسابيع أو أشهر، حتى لو توقفت الحرب، بسبب ظل صعوبات ستواجه التصدير، مثل تلف بعض المنشآت وتعطُّل الخدمات اللوجستية وارتفاع مخاطر الشحن، فضلا عن عدم ضمان التصعيد، والتلويح باستخدام القوة العسكرية في أي لحظة.
قلق وتضخم
وقد أثارت تداعيات الحرب المزيد من القلق حول آفاق الاقتصاد العالمي، خصوصاً إذا استمرت مدة أطول، إذ تحذّر المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، من مخاطر التضخم الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10 بالمئة إذا ما استمر طوال العام، فسيؤدي إلى زيادة التضخم العالمي بمقدار 40 نقطة أساس أو 0.04 في المئة، مع الأخذ بعين الاعتبار تصريحات عديدة بشأن توقعات ارتفاعات حادة في أسعار النفط، أبرزها توقّع وزير الطاقة القطري بلوغ برميل النفط مستوى 150 دولاراً للبرميل، وهو يتوافق مع توقعات «غولدمان ساكس»، وعنده نكون أمام مستوى يضغط على النمو الاقتصادي العالمي.
مخاطر ومرور
وانعكست مخاطر الحرب على واقع التجارة الدولية، خصوصاً المرتبطة بعمليات استيراد البضائع مع الصعوبات البالغة في عمليات النقل البحري والبري، إذ واصلت شركات التأمين إرسال إشعارات بإلغاء التغطية التأمينية لأخطار الحرب للسفن العابرة عبر الخليج العربي ومضيق هرمز، كما قررت أكبر شركات شحن البضائع والحاويات العالمية، مثل ميرسك وهاباج لويد، وقف مرورها في الخليج حتى مع تطمينات الرئيس ترامب بسلامة العبور.
وتسعى بعض شركات الشحن في الوقت الحالي لترتيب أوضاعها من خلال استغلال موانئ البحر الأحمر في السعودية، بغية توريد شحنات الى دول مجلس التعاون، عوضا عن المرور في «هرمز».
من المهم مراجعة تحديات السيولة وتسيير الأعمال الحكومية تكنولوجياً واتخاذ إجراءات مبكرة لحماية المشاريع
«القوة القاهرة»
وأعلنت الكويت مع قطر وبعض الشركات الخليجية، مثل بابكو إنرجي وألبا البحرينيتين، «القوة القاهرة»، وهو مصطلح قانوني يشير إلى وقوع أحداث طارئة وخارجة عن السيطرة، مثل الحروب أو الكوارث الطبيعية، تجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية مع العملاء مستحيلاً أو شديد الصعوبة، مما يتيح للأطراف التي تعلن هذه الحالة تعليق أو إلغاء التزاماتها من دون تحمُّل مسؤولية قانونية، وقد ارتبط إعلان الكويت «القوة القاهرة» في تصدير النفط بإعلان مؤسسة البترول الكويتية أنها استبقت الأزمة عبر تخزين كميات من النفط قرب عملائها في آسيا لضمان استمرار الإمدادات مؤقتاً، ويفترض أن تكون هذه الكميات لتغطية التزامات فترة قصيرة جداً لا تتجاوز أسبوعاً واحداً.
إيرادات واستهلاك
عملياً، تعتمد الكويت على إيرادات النفط بنسبة 90 بالمئة من إيراداتها العامة وتستورد بين 90 و80 في المئة من الاحتياجات الغذائية والدوائية والاستهلاكية، بالتالي، فإن تعطّل تصدير النفط مع تعثّر عمليات الاستيراد تعد مسألة جوهرية يفترض أن تحظى بمتابعة من الفريق الاقتصادي في الحكومة، الذي توسعت مكوناته القديمة (النفط - التجارة - المالية)، بإضافة حقيبتين إضافيتين هما الاستثمار والتنمية في التعديل الوزاري بتاريخ 1 فبراير الماضي.
طوارئ ومخاطر
هذا الفريق يجب أن يعمل مع هيئات وجهات حكومية ذات علاقة مثل بنك الكويت المركزي والهيئة العامة للاستثمار ومؤسسة البترول الكويتية على وضع خطة طوارئ اقتصادية متعددة السيناريوهات والمخاطر، منها ما يرتبط بالمدى القصير أو المتوسط أو الطويل، ومنها أيضاً ما يرتبط بالمخاطر المتوقعة إن كانت منخفضة أو طبيعية أو مرتفعة.
لا تهاون
فمسائل توفير الاحتياجات الغذائية والدوائية والاستهلاكية مع حالة شبه التوقف للإمدادات على صعوبتها هي أبسط التحديات التي تواجه أي فريق طوارئ اقتصادية، فربما ترتبط تداعيات الحرب ومخاطرها بسيناريوهات أصعب كمراجعة لهيكل الميزانية العامة من مصروفات وإيرادات أو تحديات السيولة أو احتمالية تسييل أصول سيادية أو اللجوء للجهات الحكومية المستقلة، أو التوسع في إصدارات الدَّين العام، فضلا عن حماية الأمن السيبراني والقدرة على استخدام التكنولوجيا في تسيير الأعمال الحكومية، وصولا الى اتخاذ إجراءات مبكرة لحماية أوضاع أصحاب الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، فالحرب في الإقليم على ما يبدو تسير في اتجاه يصعب التنبؤ بنهايته، لذلك فالاحترافية في التعامل مع الموقف تكون في الاستعدادات لكل الاحتمالات والتوقعات، وامتلاك المرونة في تغيير الخطط والسياسات، أما التهاون أو حتى التأخر في التعامل مع مثل هذه التحديات، فأضراره الاقتصادية كبيرة وبعيدة ومؤلمة.