نجوم خلف الكاميرا:صلاح أبوسيف... عراب الأفلام الواقعية

نشر في 12-03-2026
آخر تحديث 11-03-2026 | 15:47
لعبت المصادفة دورها في حياة صلاح أبوسيف، وتحول موظف شركة النسيج إلى واحد من أشهر مخرجي السينما المصرية، وامتدت مسيرته الفنية نحو نصف قرن، قدم خلالها 41 فيلماً روائياً، اختير 11 منها في قائمة أفضل 100 فيلم مصري، وكان رئيساً لمؤسسة السينما، وعضواً في لجان التحكيم في مهرجانات عربية ودولية، ونال العديد من الجوائز والتكريمات، وظل عرّاب الأفلام الواقعية واقفاً خلف الكاميرا حتى شارف على الثمانين، ورحل في 22 يونيو 1996، لكن إبداعه لا يزال يثرى وجدان ووعي الجمهور العربي حتى اليوم. تعددت إسهامات صلاح أبوسيف بين الإخراج والنقد وكتابة السيناريو والمونتاج، وتعد أفلامه مكتبة سينمائية متكاملة، تراوحت ببن الفيلم التاريخي والاجتماعي والرمزي والغنائي والكوميدي، وبرزت من خلالها موهبته الجامحة، وقناعاته الفكرية والجمالية، وأسلوبه الفريد في التعبير عن نبض الشارع المصري، واللحظات المصيرية في تاريخنا العربي، وحرص على أن يصل بالمضمون إلى الجمهور العادي والمثقف، دون إغفال المتعة البصرية، ما جعله رائداً حقيقياً للواقعية الحديثة في السينما العربية. وعُرِضت أفلامه في مهرجانات «كان والبندقية وموسكو وكارلوفي وفاري وبرلين» وكانت سفيراً للسينما المصرية في تلك المحافل الدولية، وقالت عنه الناقدة الألمانية أريكا ريشتر: صلاح أبوسيف هو أستاذ الأفلام الواقعية في مصر، وتعتبر أفلامه بمنزلة العمود الفقري لهذا الاتجاه، تلك الأفلام التي تستطيع من خلالها دراسة أهم المواضيع والأساليب والحلول الفنية التي يلجأ إليها الفيلم الواقعي في مصر للقضايا التي يواجهها ويتصدى لها. ولقد استطاع أبوسيف أن يواجه الأفلام اللاواقعية التي تنتجها «هوليوود الشرق» بأفلام ذات مضمون شعبي وإنساني.

وُلِد صلاح أبوسيف في 10 مايو عام 1915 في قرية الحومة التابعة لمركز الواسطي بمحافظة بني سويف، وكان والده عمدة القرية، وأمه السيدة تفيدة فهمي التي رفضت العيش مع زوجها وسط زوجاته السابقات، وأقامت في بيت العائلة مع شقيقها بحي بولاق في القاهرة، وألحقت ابنها بالمدرسة، ويعد الحي الشعبي العريق أحد معاقل ثورة 1919، وكان خال صلاح ممن تطاردهم السلطات البريطانية وتعتقلهم، فكان لذلك تأثير كبير على بناء شخصيته وفكره السياسي. 

وبعد انتهائه من الدراسة الابتدائية التحق أبوسيف بمدرسة التجارة المتوسطة، ثم عمل في شركة النسيج بمدينة المحلة الكبرى وفي الوقت نفسه اشتغل بالصحافة الفنية ثم انكب على دراسة فروع السينما المختلفة والعلوم المتعلقة بها مثل الموسيقى وعلم النفس والفلسفة، وبدأ يتحسس طريقه نحو الإبداع الفني. 

الرقابة تمنع عرض فيلمه الأول مع إسماعيل ياسين «العمر واحد»

قسم المونتاج

اقرأ أيضا

عمل أبوسيف لمدة ثلاث سنوات في المحلة من 1933 إلى 1936 وخلال تلك الفترة أخرج بعض المسرحيات لفريق مكوّن من هواة العاملين بالشركة، وأتيحت له فرصة الالتقاء بالمخرج نيازي مصطفى أثناء زيارته للمحلة، لإخراج فيلم تسجيلي عن الشركة، ودُهِش مصطفى من ثقافة أبوسيف ودرايته بأصول الفن السينمائي، ووعده بأن يعمل على نقله إلى استديو مصر.

بدأ صلاح أبوسيف العمل بقسم المونتاج في استديو مصر، ثم أصبح رئيساً للقسم لمدة عشر سنوات، وتتلمذ على يده الكثيرون في هذا المجال، كذلك التقى في الاستديو السيدة رفيقة أبوجبل التي تزوجها لاحقاً وأنجب منها ولداً وبنتاً، وكانت داعمة له في مسيرته الفنية، وعاشت على ذكراه حتى رحيلها عام 2019.

طار أبوسيف إلى فرنسا لدراسة السينما في عام 1938، وعمل مساعداً مع بعض المخرجين، وتراكمت لديه خبرات فنية وحياتية، وتحدث عن تلك التجربة في مذكراته قائلاً: «لقد جعلتني ألقي الكثير من خجلي الذي أحمله دائماً في صدري وأتعامل مع الحياة حسب عمري، وقد كنت أشعر أنني دائماً أكبر من سني، وجعلتني أنتبه إلى أن الكتب وحدها لا تكفي لكي نبدع وكي نصنع أفلاماً جيدة».

وفي عام 1939 عاد أبوسيف من فرنسا بعد نشوب الحرب العالمية الثانية، وعمل مونتيراً ومساعداً أول للمخرج كمال سليم في فيلمين، أولهما «العزيمة» (1939)، ويُعد الفيلم الواقعي الأول في السينما المصرية، والثاني «قضية اليوم» (1943)، ومع المخرج أحمد بدرخان في فيلم «عايدة» (1942)، و«شهر العسل» (1945)، وقام بعمل المونتاج في «غرام وانتقام» و«سيف الجلاد» (1945) إخراج يوسف وهبي، وفيلم «نداء القلب» (1943) للمخرج عمر جميعي، وفي عام 1945 ختم رحلته مع المونتاج بفيلم «أحلاهم» إخراج استيفان روستي، و«الحياة كفاح» للمخرج جمال مدكور.

«بداية ونهاية» يفتتح سلسلة أفلامه عن روايات نجيب محفوظ

الصدمة الأولى

تلقى أبوسيف أول صدمة في مسيرته الفنية عام 1942، فور انتهائه من إخراج فيلمه الأول «نمرة 6 - العمر واحد» في أقل من شهر، ومنع مدير استديو مصر عرض الفيلم لاعتراضه على مدة التصوير، ولم يشاهده الجمهور لأول مرة إلا في عام 1991، على يد الناقد سمير غريب بمناسبة افتتاح المهرجان القومي للسينما المصرية، أي بعد 49 عاماً من تصويره!

وكتب أبوسيف قصة هذا الفيلم بجانب الإخراج، وقام بالبطولة إسماعيل ياسين وحسن كامل وأحمد الحداد ولطفي الحكيم، وتدور الأحداث في قالب كوميدي حول أربعة أشخاص يمارسون النصب من خلال تمثيل أن أحدهم مات بسبب مرضه، وفي إحدى المرات حاولوا خداع بعض العابرين في الشارع، وأصر أحد المارّة على دفنه على حسابه الشخصي في مقابر عائلته، ويصطحب عصابة النصابين لبيته.

وعن تلك التجربة قال: «كانت المرة الأولى التي يقوم فيها إسماعيل ببطولة فيلم، وكتبت أنا السيناريو، متخيلاً أن الفيلم ليس له مثيل، وكان مقرراً عرضه يوم اثنين، لكن أثناء وجودي في البيت فتحت الجورنال لأقرأ خبراً بأن الرقابة منعت عرضه، وتوجهت إلى الرقابة التي كانت تشرف عليها وزارة الداخلية، لأعرف السبب، فعلمت أن مدير استديو مصر هو الذي منع عرض الفيلم، بحجة أنه يهاجم الأطباء، شيء عجيب!».

وبعد أربعة أعوام أخرج فيلمه الثاني «دايماً في قلبي» (1946) المقتبس عن الفيلم الأميركي «جسر ووترلو» وكتب السيناريو السيد بدير، وشارك  في البطولة عقيلة راتب وعماد حمدي ودولت أبيض ومحمود المليجي. وتدور القصة حول الفتاة اليتيمة سنية التي تعمل مُعلمة في دارٍ للأيتام، وتعاني تعنت مديرة الدار، وتلتقي في إحدى غارات الحرب العالمية الثانية الضابط البحري عادل، وتتصاعد الأحداث.

«المواطن مصري» يجدد تعاونه مع النجم العالمي عمر الشريف

القاهرة 30

تتابعت أفلام أبوسيف بطابعها الواقعي الاجتماعي، وعقد شراكة فنية مع نجيب محفوظ مؤسس الرواية العربية الحديثة، وكتب الأخير سيناريوهات بعض الأفلام، دون أن يقترب المخرجون من رواياته، ولعبت المصادفة دورها في لقاء قطبي الواقعية، عندما قرأ أبوسيف رواية «تيريز راكون» لإميل زولا، فقرر أنها قصة فيلمه «لك يوم يا ظالم» وبدأ العمل عليها مع محفوظ والسيد بدير، وأضفوا عليها الطابع المصري، وعرضوها على المنتجين، فرفضوها لقتامة أجوائها وبطلها الشرير، ورأوا أن هذه التركيبة لا يمكن أن تنتج فيلماً سينمائياً جماهيرياً.

وصمم أبوسيف على إنتاج الفيلم بنفسه، وشارك في بطولته فاتن حمامة ومحسن سرحان. وعن تلك التجربة قال: «لم يعد لديّ حتى إيجار الشقة، قلت لو نجح هذا الفيلم سأستمر في السينما، وإن فشل، ستكون نهاية عملي بها، ولحسن الحظ، نجح الفيلم فنياً وتجارياً في عام 1951، واعتبره النقاد امتداداً للواقعية».

وفي العام التالي نجح فيلمه «ريا وسكينة» سيناريو نجيب محفوظ والسيد بدير، وبطولة أنور وجدي ونجمة إبراهيم وزوزو حمدي الحكيم، وجذب الفيلم نوعية جديدة من جمهور السينما، وبلغت إيراداته 200 جنيه في الحفلات اليومية بدور السينما في الإسكندرية، كونها المدينة التي شهدت جرائم السفاحتين الشهيرتين في نهاية العقد الأول من القرن الماضي.

ويعد أبوسيف أول مخرج يقدم روايات محفوظ على الشاشة، وبدأها بفيلم «بداية ونهاية» (1960)، بطولة فريد شوقي وعمر الشريف وسناء جميل وأمينة رزق، وبعدها «القاهرة 30» عام 1966 بطولة سعاد حسني وحمدي أحمد وتوفيق الدقن وأحمد مظهر، وفيلم «المجرم» بطولة حسن يوسف وشمس البارودي، وكان من المقرر أن يخرج ثلاثية «بين القصرين وقصر الشوق» ووقتها كان يترأس شركة الإنتاج التابعة للدولة، فعهد بإخراجها لزميله حسن الإمام.


إعلان فيلم «أنا حرّة» إعلان فيلم «أنا حرّة»

المونتير الشاب يعمل مساعداً للمخرج كمال سليم في «العزيمة»

لا تطفئ الشمس

وقدّم أيوسيف مجموعة من الأفلام عن أعمال أدبية تناقش قضايا المرأة والمجتمع، منها روايات الكاتب إحسان عبدالقدوس «الطريق المسدود» (1958)، بطولة فاتن حمامة وأحمد مظهر وشكري سرحان، و«أنا حرة» (1959) بطولة لبنى عبدالعزيز وحسن يوسف وحسين رياض، و«لا تطفئ الشمس» (1961)، بطولة عماد حمدي وأحمد رمزي وفاتن حمامة وشكري سرحان ونادية لطفي وعقيلة راتب.

وأخرج أبوسيف عن روايات الأديب يوسف إدريس «لا وقت للحب» (1963)، بطولة فاتن حمامة ورشدي أباظة، و«الزوجة الثانية» (1967)، للكاتب أحمد رشدي صالح، وبطولة سعاد حسني وشكري سرحان وصلاح منصور، ويعد من أهم أفلام أبوسيف فنياً وتجارياً، ويحتل المركز رقم 16 في قائمة أفضل مئة فيلم في ذاكرة السينما المصرية.

وتجدّد لقاء أبوسيف مع النجم العالمي عمر الشريف في «المواطن مصري» عن رواية «الحرب في بر مصر» للأديب يوسف القعيد، وشارك في البطولة عزت العلايلي وصفية العمري وحسن حسني وعبدالله محمود، وعُرِض لأول مرة يوم 22 ديسمبر 1991، وحقق إقبالاً جماهيرياً كبيراً.

وذكر عمر الشريف أنه صوّر مشاهده في الفيلم خلال 12 يوماً فقط، وقد فاز «المواطن مصري» بجائزة أفضل فيلم مصري لعام 1992 من المركز الكاثوليكي، ويحتل المركز 98 ضمن قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية.

وأسدل «السيد كاف» (1994) الستار على مسيرة عرّاب الأفلام الواقعية، وكتب السيناريو لينين الرملي، وشارك في بطولته سناء جميل وعبدالمنعم مدبولي، وبعد شهور قليلة رحل فارس الإخراج، تاركاً إرثاً فنياً متفرداً وحضوراً لا يغيب في وجدان الجمهور العربي.

 حكاية أبوسيف في حارة قسوات مع السينما والحرمان

تعلق صلاح أبوسيف بالسينما في وقت مبكر، واعتاد الطفل ذو السنوات العشر أن يحملق في الصور والأفيشات على جدران صالة السينما المجاورة لمدرسته، فقرر التغيُّب عن الدراسة، وسأل أحد المارة عن سعر تذكرة الدخول، فرد: «قرش صاغ». وكان يمتلكه، فاشترى واحدة.

وجلس الطفل في أول كرسي داخل قاعة السينما الخالية، ظناً منه أنه المقعد الأمثل لقربه من الشاشة، وبدأ العرض في السادسة والنصف مساء، والجمهور ينظر إليه باستغراب، وسأله أحدهم: «لماذا أنت جالس في هذا المكان؟»، فقال: «أنا قاطع بقرش صاغ»، فأجابه: «ارجع إلى الكراسي الخلفية، السينما يشاهدونها من الخلف».

حكى أبوسيف عن هذا اليوم في حوار بمجلة الإذاعة والتلفزيون، في أكتوبر 1988: «لا يمكن أن أنسى هذا اليوم، محفور في ذهني، المرة الأولى التي دخلت فيها السينما في حياتي، شاهدت فيلم شارلي شابلن وضحكت، ومغامرات طرزان واستغربتها، حكيت لأصحابي بالمدرسة في اليوم التالي، وبدأنا التردد على السينما كل خميس حفلة السادسة والنصف».

وأدخلت السينما السعادة لقلب الطفل الذي نشأ في حارة قسوات بحي بولاق بالقاهرة، وسط عائلة، الأم فيها تعاني قسوة الحياة وخلافات مع الأب، فهجرته واضطرت إلى العيش وحيدة، وعلّمت ابنها صلاح حتى تخرّج في مدرسة التجارة. 

ويروي أبوسيف: «عانيت مرارة الحرمان وقسوته، كان ذلك أول درس عن حياة الفقراء ومعاناتهم من أجل الحياة، وبنيت نفسي بدافع الحرمان، وتشكلت قناعاتي بأن السينما يجب أن تكون مرآة للمجتمع، ودور المخرج التعبير عن هموم الناس من خلال أفلامه».

 

 

back to top