الخليج... خارج معركة الآخرين

نشر في 11-03-2026
آخر تحديث 10-03-2026 | 15:55
 يعقوب عادل البشير

إيران اليوم لا تختلف كثيراً عن إيران «الثورية» بعد عام 1979. فالسلوك الخارجي الذي تأسس مع الثورة الخمينية لا يزال قائماً: دولة ترى نفسها قوة إقليمية في مواجهة القوى الكبرى، لكنها عندما تدخل في مواجهة مباشرة مع تلك القوى تميل إلى توسيع دائرة الصراع لتصل إلى الخليج. 

هذا ليس تحليلاً نظرياً، بل تجربة عاشتها المنطقة من قبل. ففي الحرب العراقية- الإيرانية خلال الثمانينيات لم تبقِ طهران الحرب محصورة مع بغداد، بل نقلت جزءاً منها إلى مياه الخليج. استُهدفت ناقلات النفط الكويتية، ووقعت عمليات تخريبية داخل الكويت، وتعطَّلت الملاحة البحرية. كان الهدف، آنذاك، واضحاً: رفع كُلفة الحرب على الجميع. 

اليوم يتكرَّر السؤال نفسه: لماذا يتم توسيع نطاق المواجهة ليشمل دول الخليج، وهي دول ليست طرفاً مباشراً في الحرب؟ 

الواقع أن إيران تنظر إلى نفسها كقوةٍ إقليمية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن عندما تشتد المواجهة مع تلك القوى، تتحوَّل ساحة الصراع فجأة إلى الخليج. وهذا ما يفسِّر الإصرار على ربط الرد الإيراني بأماكن انطلاق الهجمات، خصوصاً إذا كانت تلك الهجمات قد خرجت من قواعد عسكرية في دول خليجية. لكن استهداف الخليج، حتى لو كان الهدف منه تعطيل العمليات العسكرية الأميركية، يبقى خطأً استراتيجياً كبيراً. فمثل هذا السلوك لا يضر بخصوم إيران فقط، بل يهدد استقرار المنطقة بأكملها، ويضعها في مواجهة مباشرة مع الدول العربية. إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة النظام الإيراني تجعل التعامل معه أكثر تعقيداً. فالنظام في طهران ليس مجرَّد نظام سياسي تقليدي، بل هو نظام ثيوقراطي يقوم على «ولاية الفقيه»، وله امتدادات فكرية واجتماعية تتجاوز الحدود. وفي الوقت نفسه هو نظام مؤسسي ترسخ في مفاصل الدولة طوال أربعة عقود، ما يجعل إسقاطه بضربة عسكرية أمراً بالغ الصعوبة. لكن أخطر ما في مثل هذه الأزمات ليس التصعيد الخارجي فقط، بل ما قد يرافقه من توترات داخلية.

فالانقسام المجتمعي في مثل هذه الظروف لا يخدم أحداً. الخليج لم يكن يوماً طرفاً في هذه الحروب، ولن يكون ساحة مفتوحة لها. فاستقراره ليس تفصيلاً في صراع الآخرين، بل ركيزة أساسية لأمن المنطقة والعالم. وتجارب العقود الماضية تؤكد حقيقة واضحة: كلما اتسعت دائرة الحروب في الشرق الأوسط، تضاعفت الخسائر، ولم يربح أحد. والخليج، بكل دوله وشعوبه، ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل منطقة يجب أن تبقى خارج معركة الآخرين.

*أكاديمي في قسم العلوم السياسية– جامعة الكويت

back to top