في الأزمات... تسقط لغة التخوين وتعلو مصلحة الوطن
في لحظات الأزمات الكبرى، لا يكون الوطن بحاجة إلى ضجيج الشعارات بقدر حاجته إلى وحدة حقيقية في الجبهة الداخلية، فالأزمات لا ترحم الدول المتنازعة مع نفسها، ولا تنتظر المجتمعات التي تضيع وقتها في تبادل الاتهامات.
وفي تلك اللحظات، يصبح التماسك الوطني مسألة بقاء، لا مجرد خطاب سياسي يُقال في المناسبات.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع في زمن الأزمات هو تفشّي لغة التخوين، هذه اللغة التي تُطلق بسهولة على الناس، والتخوين ليس شجاعة سياسية، بل هو في كثير من الأحيان عجز عن إدارة الاختلاف، والأخطر من ذلك أنه يزرع الشك بين أبناء المجتمع، في وقت يحتاج الوطن إلى أكبر قدر من الثقة والتكاتف.
لا وطن يمكن أن يقف على قدميه إذا كان أبناؤه مشغولين بمحاكمات بعضهم البعض، ولا دولة تستطيع مواجهة التحديات إذا تحولت ساحتها الداخلية إلى معركة مفتوحة من الاتهامات والشكوك.
فالأوطان لا تسقط فقط تحت ضربات الأعداء، بل قد تسقط أيضًا بفعل الانقسام الداخلي.
إن الاختلاف في الرأي حق طبيعي، بل هو دليل على حيوية المجتمع وصحة الحياة العامة فيه، لكن تحويل هذا الاختلاف إلى اتهام بالخيانة هو انحدار خطير في مستوى الخطاب الوطني، فمن يرفع سيف التخوين في وجه الآخرين يفتح بابًا للفوضى لا يمكن إغلاقه بسهولة.
في الأزمات، المطلوب ليس إسكات الأصوات أو مصادرة الآراء، بل ترشيد الخطاب وتقديم مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، فالوطن أكبر من الأشخاص، وأوسع من الخلافات، وأبقى من كل الصراعات السياسية، وما يجمع أبناء الوطن الواحد أكبر بكثير من كل ما يمكن أن يفرّقهم.
لقد علّمتنا التجارب في منطقتنا أن الدول التي انهارت لم تكن فقيرة بالموارد، بل كانت فقيرة بوحدة الداخل، فعندما تتآكل الثقة بين أبناء المجتمع، يصبح أي خطر خارجي قادرًا على النفاذ، وتتحول الأزمات الصغيرة إلى كوارث كبيرة. إن حماية الجبهة الداخلية مسؤولية مشتركة بين الجميع، الدولة، والنخب السياسية، والإعلام، والنشطاء، وكل مواطن يشعر بأن لهذا الوطن حقًا في عنقه، فالكلمة في زمن الأزمات ليست أمرًا عابراً، فقد تكون جسراً للوحدة أو معولًا للهدم.
وفي خضم كل ذلك، لا يمكن أن ننسى أولئك الذين دفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن الكرامة والحرية، أولئك الذين كتبوا بدمائهم صفحات من التضحية.
رحم الله شهداءنا، وجعل مثواهم الجنة، ونسأل الله أن يكون في عون أسرهم التي تتحمل عبء الفقد بالصبر والكرامة، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء.
إن دماء الشهداء يجب أن تكون جسراً للوحدة لا وقوداً للانقسام، فليس من الوفاء لتضحياتهم أن يتحول الوطن إلى ساحة تخوين وصراع، بينما هم قدموا أرواحهم من أجل أن يبقى مرفوع الرأس.
الأزمات لحظات كاشفة، تكشف معادن الرجال وصدق المواقف، وفي هذه اللحظات تحديداً، يجب أن نرتقي فوق الخلافات الضيقة، وأن نتذكر أن الوطن إذا ضعُف فلن ينجو أحد.
فالحقيقة البسيطة التي أثبتها التاريخ مرارًا هي أن الوطن لا تحميه الشعارات، بل تحميه وحدة أبنائه وصلابة جبهته الداخلية، وعندما تتوحد الصفوف، تصبح الأزمات - مهما كانت قاسية - مجرد عواصف عابرة في طريق وطن موحد صامد.