من رجل الظل إلى المرشد الأعلى: القصة الخفية لصعود مجتبى خامنئي
• صورتان متناقضتان: رجل أمن متشدد أم تغييري بطموحات اقتصادية؟
لم يكن صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية حدثاً عادياً في سياق انتقال السلطة داخل النظام الإيراني، فانتخابه جاء في لحظة شديدة الاضطراب، حرب أميركية– إسرائيلية مفتوحة على إيران، واغتيالات طالت أعلى هرم القيادة، وبيئة داخلية يعاد فيها ترتيب موازين القوى تحت ضغط غير مسبوق. وفي مثل هذه اللحظة، حيث تختلط معركة البقاء الخارجي بصراعات السلطة الداخلية، يصبح اختيار المرشد الجديد أكثر من مجرد إجراء دستوري، إنه قرار يرتبط بمصير النظام نفسه.
وكما كانت «الجريدة» قد أشارت سابقاً، فإن مجلس خبراء القيادة انتخب مجتبى البالغ 56 عاماً سريعاً خلفاً لوالده علي خامنئي بعد اغتياله، غير أن الإعلان الرسمي تأخر أياماً عدة، والسبب لم يكن سياسياً فحسب، بل صحياً أيضاً. فقد أصيب الرجل نفسه في الهجوم الذي استهدف مكتب ومنزل والده في طهران، وكان على المسؤولين التأكد من نجاته قبل إعلان انتخابه رسمياً.
ووفق مصادر مقربة منه، أصيب مجتبى في الجانب الأيسر من جسده، الرأس والرقبة واليد اليسرى والخصر والساق، بعدما سقطت أجزاء من المبنى فوقه أثناء الضربة التي وقعت يوم 28 فبراير الماضي. ويقول هؤلاء إن نجاته كانت أشبه بمعجزة، فالأنقاض انهارت إلى جواره مباشرة ولم تسقط فوقه بالكامل.
خلال مشاركته بالحرب العراقية ـــ الإيرانية في صفوف «الحرس» لم يكن كثيرون يعرفون أنه ابن علي خامنئي الذي كان آنذاك رئيساً للجمهورية
شخصية أمنية
لكن ذلك لم يكن سوى بداية سلسلة محاولات استهداف. فبحسب المصادر نفسها، جرت خلال الأسبوع الذي تلا الهجوم محاولتان إضافيتان على الأقل لاستهدافه عبر ضرب مواقع يُعتقد أنه قد يوجد فيها.
منذ تلك اللحظة، دخل الرجل عملياً في نمط حياة أمنية مغلقة. الفريق المكلف بحمايته اعتمد سياسة تغيير مستمر للأماكن التي يقيم فيها، وغالباً من دون علم حتى المقربين منه. كما جرى استخدام أشخاص يتحركون في أماكن مختلفة باعتبارهم «بدلاء» محتملين، لإرباك أي محاولة رصد.
ويقول أحد المطلعين إن أحد أسباب نجاته حتى الآن يعود إلى التزامه الصارم بالتعليمات الأمنية، على عكس والده الذي كان معروفاً بعدم اكتراثه بالإجراءات الاحترازية. «مجتبى لديه شخصية أمنية»، يقول المصدر «يتصرف دائماً باعتبار أنه هدف محتمل».
في 2005 و2009 اتهمه الإصلاحيون بالتدخل في الانتخابات ودعم قمع الحركة الخضراء
ابن الحرب
بدأت قصة مجتبى خامنئي بعيداً عن الأضواء. ففي سن السابعة عشرة التحق بالحرس الثوري وشارك في الحرب العراقية– الإيرانية حتى نهايتها. وخلال تلك السنوات لم يكن كثيرون يعرفون أنه ابن علي خامنئي، الذي كان آنذاك رئيساً للجمهورية. فقد كان يعرّف نفسه باسم «مجتبى حسيني»، من دون استخدام لقب العائلة.
في تلك الجبهات نسج شبكة علاقات واسعة داخل الحرس الثوري، مع ضباط صعد كثير منهم لاحقاً إلى مواقع قيادية في الدولة. وهذه العلاقات، التي بدأت في الخنادق، أصبحت لاحقاً إحدى ركائز نفوذه داخل النظام.
أصيب في الغارة التي قتلت والده في جانبه الأيسر من الرأس حتى الساق وتعرض بعد ذلك لمحاولتَي اغتيال
رجل اجتماعي في عالم مغلق
على خلاف الصورة التي تحيط به في الخارج، يوصف مجتبى خامنئي في أوساط من يعرفونه بأنه شخصية اجتماعية متواضعة نسبياً، قادرة على بناء علاقات واسعة مع أطراف مختلفة داخل النظام.
فهو يحتفظ بعلاقات صداقة قديمة مع أبناء عدد من كبار الزعماء الإيرانيين. فقد عاش لسنوات في منزل الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني عندما كان والده في السجن في عهد الشاه، وهو ما جعله قريباً من أبناء رفسنجاني. ويقال إنه تدخل أكثر من مرة لمحاولة الإفراج عن فائزة رفسنجاني من السجن، رغم أنها لم تتردد في انتقاد والده علناً في بعض المراحل.
كما تربطه علاقة وثيقة بحسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، وكان من أوائل الشخصيات الإصلاحية التي سارعت إلى تهنئته بعد انتخابه.
هذه العلاقات العابرة للتيارات، بين الأصوليين والإصلاحيين، جعلت كثيرين داخل النظام ينظرون إليه باعتباره شخصية قادرة على التواصل مع أطراف مختلفة، حتى إن كان ذلك لا يعني بالضرورة أنه يتبنى رؤى سياسية متقاربة معهم.
سافر إلى العديد من الدول الأوروبية والعربية والآسيوية بهوية مزيفة وبجواز سفر تحت اسم مجتبى حسيني
صورة مزدوجة
يحاول بعض المقربين من مجتبى رسم صورة مختلفة عنه: رجل مطلع على العالم، يسافر كثيراً، ويتابع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بل ويعارض بعض السياسات الاجتماعية المتشددة. على خلاف كثير من رجال المؤسسة الدينية، اعتاد مجتبى خامنئي السفر إلى الخارج بهويات غير لافتة. فقد تنقل في عدد من الدول الأوروبية، بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا – وكذلك في دول عربية مثل الإمارات وقطر وعُمان والسعودية، إضافة إلى العراق وسورية ولبنان، كما زار روسيا والصين والهند وباكستان.
وكان غالباً ما يسافر بجواز يحمل اسم «مجتبى حسيني»، بصفة تاجر أو سائح، ومن دون ارتداء الزي الديني.
هذه الرحلات غذّت تكهنات حول علاقات غير معلنة تربطه بشخصيات سياسية أو اقتصادية في بعض تلك الدول، سواء بشكل مباشر أو عبر شبكات عائلية وسياسية.
لكن خصومه داخل النظام وخارجه يرفضون هذه الرواية تماماً. بالنسبة إليهم، هو نتاج المؤسسة الأمنية للحرس الثوري، والرجل الذي أمضى سنوات في بناء نفوذه داخلها.
وهذا التناقض ليس جديداً، فمنذ منتصف العقد الأول من الألفية، بدأ اسمه يظهر في سياق اتهامات سياسية ثقيلة.
يعبّر في مجالسه الخاصة عن إعجابه بمشروع محمد بن سلمان الاقتصادي ومواجهته الحازمة للفساد
الانتخابات التي صنعت سمعته
في عام 2005، اتهم الاصلاحي مهدي كروبي، رئيس البرلمان الإيراني آنذاك، مجتبى خامنئي، بالتدخل في الانتخابات الرئاسية. وبعد أربع سنوات، كرر مير حسين موسوي الاتهام نفسه خلال الانتخابات المثيرة للجدل عام 2009، قائلاً إن مجتبى لعب دوراً في «هندسة» النتيجة لمصلحة الأصولي محمود أحمدي نجاد. واتهم مجتبى بدعم قمع «الحركة الخضراء» وإقصاء الإصلاحيين من السلطة، وهو ما ترك أثراً عميقاً في صورته السياسية.
في السنوات الأخيرة أصبح «المدير التنفيذي الفعلي» لمكتب المرشد وكان يتولى معالجة ملفات بتكليف من والده
رجل الظل في مكتب المرشد
خلال حكم والده الممتد، كان مجتبى خامنئي يؤدي دوراً متزايد الأهمية داخل مكتب المرشد، وإن بقي هذا الدور غير معلن رسمياً، فقد أوكلت إليه ملفات معقدة، بعضها يتعلق بإدارة علاقات إيران مع القوى الحليفة في المنطقة.
ومن أبرز هذه الملفات وساطته بين مقتدى الصدر ونوري المالكي في العراق. فقد كان يتمتع بعلاقة جيدة مع الرجلين، ويقال إنه لعب دوراً مهماً في التفاهم الذي مهّد عام 2010 لتولي المالكي ولاية ثانية في رئاسة الوزراء.
كما كان له دور في إعادة تنظيم جهاز استخبارات الحرس الثوري بالتعاون مع صديقه حسين طائب، الذي تولى لاحقاً قيادة الجهاز.
وخلال السنوات الأخيرة، أصبح مجتبى، بحسب مطلعين، «المدير التنفيذي الفعلي» لمكتب المرشد، إذ كان يتولى معالجة ملفات سياسية وأمنية واجتماعية يكلّفه بها والده مباشرة.
في 2019 أقصيت مجموعته في الحرس الثوري وفي مقدمتهم حسين طائب من قبل القادة المعارضين للتوريث
طرح اقتصادي مستوحى من بن سلمان
من الأمور التي يتحدث عنها مقربون من مجتبى إعجابه ببعض الإصلاحات التي قادها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
ففي اجتماعات خاصة، كان يشير إلى حملة مكافحة الفساد التي شهدها فندق «ريتز كارلتون» في الرياض باعتبارها نموذجاً يمكن تطبيقه في إيران. وكان يعتقد أن مواجهة «المافيات الاقتصادية» داخل البلاد تتطلب خطوات مشابهة، تشمل اعتقال كبار المتهمين بالفساد ومصادرة ثرواتهم.
هذه الأفكار أثارت قلق شبكات المصالح الاقتصادية داخل النظام، التي رأت في صعوده تهديداً مباشراً لنفوذها، وسارعت إلى مهاجمته إعلامياً والترويج لفكرة أن وصوله إلى منصب المرشد يمثل «توريثاً» للسلطة يتناقض مع مبادئ الثورة الإسلامية.
وارتبط اسم مجتبى أيضاً بمصرف «آينده» الذي أعلن إفلاسه قبل أشهر، ما تسبب في أزمة مالية داخل البلاد. وكان المصرف قد استثمر في مشاريع ضخمة، أبرزها «إيران مول» الذي وُصف بأنه أكبر مركز تجاري في العالم، إضافة إلى مشاريع إسكان منخفضة التكلفة لذوي الدخل المحدود.
لكن الركود وصعوبة تسويق هذه المشاريع أديا إلى انهيار المصرف، ما حوّل علاقته المزعومة بالمصرف إلى مادة في صراعات داخلية.
في حرب الـ 12 يوماً قُتل عدد كبير من قادة الحرس المعارضين له ما فتح الباب أمام أنصاره لتعبئة الفراغ
الحرب التي فتحت طريقه إلى السلطة
كان حسين طائب يُعد لسنوات الرجل الأقرب إلى مجتبى خامنئي داخل المؤسسة الأمنية. لكن هذا التقارب نفسه جعله هدفاً لخصوم مجتبى داخل الحرس الثوري.
ففي خضم الصراع الداخلي حول مسألة خلافة المرشد، أُبعد طائب من منصبه على رأس استخبارات الحرس الثوري في عام 2019 في خطوة فسّرها كثيرون داخل النظام على أنها محاولة لقطع الطريق أمام مشروع توريث السلطة لمجتبى من قبل مجموعة من القادة الكبار في الحرس الثوري.
وفي ظل سيطرة التيار المعارض له على قيادة الحرس، والحملات التي شنتها شبكات المصالح الاقتصادية ضده طلب المرشد الراحل من نجله التوقف عن عقد «جلسات درس الخارج» التي كان يحضرها رجال دين بارزون، وهي خطوة كان يُنظر إليها على أنها تمهيد لإثبات مكانته العلمية في الحوزة. وفي هذا الوقت برز نجم الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي كمرشح أوفر حظاً لخلافة خامنئي.
ومع هجمات 7 أكتوبر 2023 ومقتل رئيسي ظل مجتبى في الظل، لكن التحول الحاسم جاء لاحقاً مع حرب الـ 12 يوماً في يونيو 2025 والتي خاضتها إيران في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. فقد أدت الضربات المتتالية إلى مقتل عدد من كبار قادة الحرس الثوري الذين كانوا متحفظين على فكرة انتقال السلطة إلى مجتبى.
وكانت «الجريدة» قد أشارت في تقرير نشرته في يوليو 2025 إلى أن موجة الاغتيالات التي شهدتها تلك الفترة أعادت رسم الخريطة الداخلية لمراكز القوة داخل الحرس، وفتحت الطريق أمام صعود جيل جديد من القادة الأقرب إلى فريق مجتبى وبينهم قائد «الحرس» الحالي أحمد وحيدي.
بين النووي والعلاقات مع الجواروصوله إلى منصب المرشد بعد اغتيال والده وفي خضم الحرب يحصر أولوياته في إدارة المعركة
في الملفات الاستراتيجية، تشير مصادر قريبة منه إلى أنه كان مؤيداً لفكرة امتلاك إيران قدرات نووية رادعة، لكنه في الوقت نفسه رفض التوقيع على أي من العرائض التي قدمها سياسيون إيرانيون لوالده للمطالبة بتعديل فتوى حظر السلاح النووي، حتى لا يحرجه علناً.
وهو يرى أن قوة إيران العسكرية – بما في ذلك امتلاك أقصى قدر ممكن من وسائل الردع، هي الضمان الوحيد لمنع الهجمات عليها.
في المقابل، يعتقد أيضاً أن استقرار إيران يتطلب علاقات جيدة مع دول الجوار، خصوصاً في الخليج والشرق الأوسط. ويقال إنه يرى أن جيله من القادة الإقليميين، الذين ينتمون إلى أعمار متقاربة، قادر على بناء تفاهمات مختلفة عن تلك التي سادت في العقود الماضية. استراتيجياً، يدعم مجتبى بقوة سياسة «التوجه شرقاً»، أي تعميق العلاقات مع روسيا والصين ودول آسيا. لكنه، في الوقت نفسه، يعتقد أن إيران يمكن أن تحافظ على علاقات جيدة مع الغرب أيضاً، لأن «الشعوب الغربية لا تعادي الإيرانيين بطبيعتها»، كما نقل عنه مقربون. في الشؤون الاجتماعية، يُنسب إليه موقف أكثر مرونة من قضايا الحريات العامة. ويقال إنه كان من أبرز المعارضين لقانون الحجاب الإلزامي الذي أقره البرلمان، وساعد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على إيجاد صيغة لتعطيل تطبيقه.
ويرى، وفق مقربين منه، أن فرض القوانين الدينية بالقوة «خطأ فادح»، وأن دور الدولة يجب أن يقتصر على التوعية، لا الإكراه.
مرشد جديد... في زمن الحرب
اليوم، في ظل حرب مفتوحة واضطراب داخلي، تبدو السلطة في إيران أقرب إلى يد المؤسسة الأمنية والعسكرية منها إلى السياسيين. وفي هذا السياق، يرى كثيرون داخل النظام أن مجتبى كان الخيار الوحيد القادر على فرض التوازن بين مختلف مراكز القوة.
لكن المفارقة الكبرى في مسيرته أن الظروف التي أوصلته إلى السلطة قد تكون هي نفسها التي تقيد قدرته على تنفيذ أي مشاريع سياسية أو اقتصادية واسعة.
فلو وصل إلى الحكم في ظروف طبيعية، كما يقول بعض المقربين منه، ربما كان بإمكانه التفكير في إصلاحات داخلية وحتى تخفيف التوتر مع الغرب. ويقول مقربون منه إنه يطمح إلى إطلاق إصلاحات واسعة، تشمل مكافحة الفساد، وتوفير السكن للفقراء، وتوسيع قاعدة الصناعة والزراعة، إضافة إلى تحديث التعليم والرعاية الصحية، كما يتحدث عن إنشاء مدن اقتصادية حرة على غرار دبي.
غير أن وصوله إلى منصب المرشد جاء بعد اغتيال والده، وفي خضم حرب أميركية– إسرائيلية مفتوحة ضد إيران. وفي مثل هذه الظروف، تبدو أولوياته، على الأقل في المدى المنظور، محصورة في إدارة الحرب أكثر من أي شيء آخر.