نجوم خلف الكاميرا: توفيق صالح... متمرد السينما الواقعية

نشر في 11-03-2026
آخر تحديث 10-03-2026 | 18:38
تحوّل توفيق صالح إلى ظاهرة سينمائية فريدة، ويُعد المخرج المتمرد من أبرز رواد الواقعية الحديثة في السينما المصرية، وامتدت مسيرته بين عامي 1955 و1980، قدّم خلالها 7 أفلام روائية طويلة و7 قصيرة، واختار النقاد 4 منها في قائمة أفضل 100 فيلم مصري، ونال العديد من الجوائز والتكريمات في محافل دولية، واكتنف الغموض قرار اعتزاله طوال 33 عاماً، حتى رحيله في 18 أغسطس 2013 عن عمر ناهز 87 عاما، ولاتزال أعماله حاضرة في قاعات الدرس الأكاديمي، وتحظى بنسبة مشاهدة عالية من محبي الفن الراقي. ترك توفيق صالح مقعده خلف الكاميرا، وغادر البلاتوه دون رجعة، بعد رحلة معاناة طويلة، اصطدمت خلالها أفلامه القليلة بالرقابة، وواجه صعوبات بالغة في خروج أعماله إلى النور، ورفض التنازل عن قناعاته الفكرية والفنية، لكنّه ظل مؤثراً كأستاذ غير متفرغ لمادة الإخراج في المعهد العالي للسينما، وداعماً لزملائه في الدفاع عن حرية التعبير، وأصبح ظهوره في فعاليات ثقافية مختلفة، يثير التساؤلات حول سر اعتزاله، ورفضه استئناف نشاطه، رغم السيناريوهات المتراكمة فوق مكتبه، كأنه محارب قديم ضاق بأجواء المعارك والحروب.
خاض المخرج المتمرد توفيق صالح تجربة التمثيل مرة واحدة، عندما ظهر على الشاشة بشخصه وعمره تجاوز الستين، في فيلم «إسكندرية كمان وكمان» (1989) من إخراج صديقه يوسف شاهين، وأراد الأخير أن يوثق اعتصام الفنانين المصريين داخل مبنى نقابة السينمائيين وسط القاهرة عام 1987 ومطالبتهم بتغيير القانون 103، الذي يتيح للنقيب البقاء في منصبه أكثر من مدتين، وكان صالح ضمن المشاركين في هذا الاعتصام.

الإنجاز والتكريم
تلقى صالح التكريم في الكثير من المهرجانات السينمائية والثقافية تقديرًا لإنجازاته، كما مُنِح الوسام الثقافي التونسي في أكتوبر 1988، وعن تكريمه بعد مشواره الفني المتفرّد، قال: «أعتبر التكريم تحية وعرفانًا لمجهود قمت به وكان له مكان في السينما المصرية والعربية». 

كلية فكتوريا
وُلِد توفيق صالح بمدينة الإسكندرية الساحلية في 27 أكتوبر 1926، وكان والده طبيبًا في الحجر الصحي بالموانئ، لذا قضى طفولته المبكرة متنقلًا بين عدة مدن ساحلية مختلفة، ثم استقرت العائلة في الإسكندرية، والتحق بكلية فكتوريا، وهناك تعرّف إلى زملائه يوسف شاهين وعمر الشريف وأحمد رمزي، وجمعت بينهم الصداقة وعشق السينما، وبعد تخرّجه درس الأدب الإنكليزي بجامعة الإسكندرية، وفي عامه الأخير بكلية الآداب، أخرج مسرحية رصاصة في القلب، وعُرِضت في جمعية الصداقة الفرنسية.
وبعد حصوله على شهادة التخرج عام 1949، طرق الشاب أبواب السينما في القاهرة، وعمل مساعدًا للمخرج حسين فوزي، لكن خلافاته المتكررة مع الفنانة نعيمة عاكف (زوجة المخرج) دفعته إلى مغادرة الاستديو، وعاد مرة أخرى إلى الإسكندرية، وهناك عرض عليه رئيس القسم الفرنسي في كلية الآداب بعثة لدراسة المسرح في فرنسا، لكنه طلب أن يدرس السينما.

عبدالناصر يجيز عرض «يوميات نائب في الأرياف» دون حذف

سينما باريس
طار صالح إلى فرنسا عام 1950 لدراسة السينما في باريس، والتقى هناك أستاذ علم الجمال، إتيان سوريو، وتتلمذ على يديه في الرسم والفوتوغرافيا، وذهب معه إلى متحف اللوفر، وتعرّف إلى الأدب الروسي، وأهمل دراسته في «السوربون»، فسحبت منه المنحة بعد سنة واحدة، لكنه بقي في باريس سنتين إضافيتين، واستمر في تثقيف نفسه، وتردد كثيرًا على مقاهي الأدباء والفنانين، ورفض العودة إلى قاعات الدرس الأكاديمي.
وفي تلك الفترة، تعرّف إلى مدير إنتاج يعمل في أفلام درجة ثانية، وأخبره أنه جاء إلى فرنسا ليتعلم السينما، فاصطحبه إلى مقر نقابة السينمائيين، وحصل على تصريح «مخرج تحت التمرين»، وعمل مساعدًا في 3 أفلام فرنسية، منها فيلم «صحبة فرح» بطولة المغني شارل ترنييه (1913 ـ 2001) واكتسب من تلك التجارب خبرات متعددة في عناصر الفن السابع كافة.

نجيب محفوظ يحذّره من إخراج أول أفلامه في «درب المهابيل»

معركة سينمائية
عاد صالح إلى القاهرة في ديسمبر 1953، وفي جعبته مشاريع سينمائية طموحة، وقصة ألّفها أثناء إقامته في باريس، ودلت على وعيه بأهمية التعبير عن خصوصية المجتمع المصري، وأراد أن تكون أولى تجاريه كمخرج وسط جيل من المخرجين الشباب ـ آنذاك ـ منهم صلاح أبوسيف ويوسف شاهين وكمال الشيخ وحسن الإمام.
وفي تلك الفترة تعرّف إلى الأديب نجيب محفوظ؛ الذي كتب السيناريو والحوار للعديد من الأفلام، وعرض صالح عليه فكرة مشروعه السينمائي، ونصحه محفوظ بعدم تنفيذها، لأنه سيصطدم بالرقابة، وبعد مناقشات طويلة وافق محفوظ على إعادة صياغتها، مغيّرًا موقع الأحداث إلى حارة قاهرية (درب المهابيل)، ثم عملا معًا على كتابة سيناريو الفيلم، وشارك في بطولته شكري سرحان وبرلنتي عبدالحميد وتوفيق الدقن وحسن البارودي، وتحمّس الأديب عبدالحميد جودة السحار لكتابة الحوار والمشاركة في الإنتاج، وعُرض الفيلم لأول مرة في أول يناير 1955، ولم يحقق نجاحًا جماهيريًا، وبعد سنوات أصبح من أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية.
واجتاز صالح اختباره الأول في عالم الإخراج، وكاد مشروعه السينمائي يتوقف بعد «درب المهابيل»، رغم تفرّده بلُغة سينمائية مكثفة، وتعبيره الصادق عن قضايا المجتمع، واتهمه بعض النقاد بأنه يقدّم رؤية سوداوية، لكن المخرج المتمرد أصر على رفض التزييف والمبالغة الميلودرامية، وحلّق بعيدًا عن الصراع التقليدي بين ثنائية الخير والشر، وتأهب لدخول معركة سينمائية أخرى، دون أن يفقد الأمل في تحقيق طموحاته الفنية.

يوسف شاهين يقنع صديقه بالتمثيل في «إسكندرية كمان وكمان»

اقرأ أيضا

فترة عصيبة
تحول «درب المهابيل» إلى شبح يطارده طوال 7 أعوام، ويغلق دونه أبواب شركات الإنتاج، وأدت المصادفة دورها بعد مرض المنتج والمخرج عزالدين ذو الفقار، فانتقلت إليه مهمة إخراج فيلم «صراع الأبطال»، فقام بتعديلات على السيناريو مع السناريست محمد أبويوسف، وأسند بطولته للنجمة سميرة أحمد وشكري سرحان وليلى طاهر ونجمة إبراهيم وزوزو حمدي الحكيم.
وعُرِض «صراع الأبطال» لأول مرة في 23 يونيو 1962، ولم يصمد طويلًا في دور السينما، ويحتل الفيلم رقم 49 في قائمة أفضل 100 فيلم مصري، ويتناول فترة عصيبة مرّت بها مصر عام 1947 عندما داهم القرى مرض الكوليرا، ويُعين في إحدى القرى الطبيب شكري، ويحاول إنقاذ أهل القرية من الوباء، ويقف في وجه الإقطاعي عادل بك، الذي يستغل الفقراء ليعملوا في أرضه بالسخرة، ومَنْ يعترض يسلّمه إلى مستشفى الأمراض العقلية. 

مقص الرقيب
توترت العلاقة بين صالح والرقابة فور انتهائه من إخراج «المتمردون»، قصة الكاتب الصحافي صلاح حافظ وبطولة النجم شكري سرحان في ثالث أفلامه مع المخرج المأساوي، وشارك في التمثيل مجموعة من النجوم، منهم توفيق الدقن وحمدي أحمد وزيزي مصطفى وزوزو شكيب ومحمد توفيق.
وتدور الأحداث في أجواء رمزية قاتمة داخل إحدى المصحات العلاجية وسط الصحراء، ويكتشف د. عزيز؛ الذي يتلقى العلاج بالمصحة، أن هناك قسمين أفضلهما يوجد فيه المرضى الذين يملكون الثروة، وينعمون بالعلاج المنتظم. أما القسم الثاني لمرضى الدرجة المجانية الذين يتكدسون في عنابر حُرِمت من وسائل العلاج الضرورية والمعاملة الإنسانية.
وشهدت كواليس «المتمردون» أزمات متلاحقة، فالفيلم أنتج عام 1966، ويناقش الحالة السياسية في مصر قبل نكسة 1967، واضطر المخرج توفيق صالح لتكثيف بعض المشاهد الرمزية، للإفلات من مقص الرقيب، ورغم ذلك مُنِع الفيلم من العرض، وطلبوا منه حذف بعض المشاهد وتعديل البعض الآخر، وإضافة نهاية جديدة، ولم يشفع له أن أحداثه تدور قبل ثورة يوليو 1952. ولم يُصرَّح بعرضه إلا عام 1968، ويحتل هذا الشريط السينمائي المركز 78 في قائمة أفضل مئة فيلم مصري.

شكري سرحان يحصد بطولة 3 أفلام مع المخرج المأساوي


السينما التسجيلية
خاض صالح تجربة السينما التسجيلية، وقدّم 7 أفلام قصيرة، هي «كورنيش النيل» (1956)، وصوّر خلاله أحد معالم القاهرة الحديثة، و»فن العرائس» (1957)، و»نهضتنا الصناعية» (1959)، و»من نحن؟» (1960) الناطق بالإنكليزية، ويتناول قضية اللاجئين الفلسطينيين، و»نحو المجهول» (1960)، و»القلة» (1961)، و»فجر الحضارة العربية» (1977).

الرحيل والعودة
ودّع صالح السينما المصرية بفيلمين؛ الأول «يوميات نائب في الأرياف» قصة الأديب توفيق الحكيم، وبطولة أحمد عبدالحليم وتوفيق الدقن وعايدة عبدالعزيز وراوية عاشور وشفيق نورالدين وحسن مصطفى ونبيلة السيد، وتدور أحداثه حول جريمة قتل غامضة، ويباشر وكيل النيابة التحقيق، ويكتشف سلبيات اجتماعية صادمة.
وأجيز عرض هذا الفيلم كاملًا دون حذف بأمر الرئيس جمال عبدالناصر، وكان أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي قد اقترحوا حذف 16 مشهدًا، وعُرِض الفيلم لأول مرة في 24 فبراير 1969، ويحتل «يوميات نائب في الأرياف» المركز 59 في قائمة أفضل مئة فيلم مصري.
وتعاون توفيق مع الكاتب صالح مرسي في فيلم «السيد البلطي»، بطولة عزت العلايلي ومحمد نوح وسهير المرشدي وعبدالرحمن أبوزهرة، وأخرجه صالح بعد 3 أشهر من نكسة 1967، ويصوِّر في إطار رمزي مجتمع الصيادين بعد غياب قائدهم السيد البلطي، وذهاب كل فرد منهم في طريق مختلف عن الآخر.
واصطدم الفيلم بالرقابة، ومُنع من العرض نحو عامين، حتى أجيز عرضه لأول مرة في 18 أغسطس 1969، وبعدها قرر المخرج المتمرد الرحيل، بعد تعرّض أفلامه المنتجة من مؤسسة السينما المصرية للتعسف، ووصف شعوره قائلًا: «أحسست بالغصّة تزداد مرارة في حلقي، شعرت بالاغتراب والنفي وأنا في بلادي، فقررت الرحيل».
وتنقل صالح بين سورية والعراق، وأخرج فيلم «المخدوعون» (1972)، عن رواية «رجال في الشمس» للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، وإنتاج مؤسسة السينما السورية، وفي عام 1980 أسدل «الأيام الطويلة» الستار على مسيرة المخرج المغترب، وعاد إلى مصر عام 1984، وطال به العمر حتى تجاوز الثمانين، دون أن يتراجع عن قرار اعتزاله، لكنّ أفلامه لا تزال حتى اليوم حاضرة في ذاكرة السينما العربية.

«صراع الأبطال» يدفعه نحو الإخراج بعد مرض عزالدين ذو الفقار

محمد صالح يكشف الوجه الآخر لوالده بعيداً عن السينما
كرّس المخرج توفيق صالح حياته لفنه وأسرته، وكان مؤمناً بأن رسالته في الحياة تختلف عن دكتاتورية المخرج في البلاتوه، وأدرك ضرورة أن يكون ديموقراطياً مع زوجته السيدة روضة وأبنائه الثلاثة، محمد وريم وريهام، ولم يفرض على أي منهم مجالاً معيناً في العمل، حتى يكون لكل منهم حياته المستقلة، وأن يتحرروا من كونهم أبناء مخرج كبير، ليصير كل منهم ممثلاً لذاته فقط.
وكشف الباحث بمعهد البحوث الزراعية بالقاهرة، د. محمد صالح، الوجه الآخر لوالده المخرج الراحل بقوله: «أبسط ما يمكن أن أصف به توفيق صالح هو أنه كان أباً رائعاً، كان بالنسبة لي صديقا وأخا أكبر قبل أن يكون أباً، وكان أول من ألجأ إليه إذا أردتُ التحدُّث مع أحد في أمر يحيرني... كانت لديه القدرة على اختزال كل سنوات الخبرة والثقافة والعلم في حديث بسيط وعقلاني، لا يخلو من فلسفة عميقة، ويصل إلى القلب بسلاسة متناهية».
وأضاف: «كان صالح يحب مصر ويعشق ترابها، وأذكر أني فكرت أكثر من مرة في الهجرة والبحث عن فرصة في بلد آخر، وكان يتصدى لي ويطالبني بالبقاء في مصر، وكان يقول إنني لو تركت مصر سأصبح مواطناً من الدرجة الثانية في أي بلد مهما حققت من نجاح، في حين أنني في بلدي مواطن من الدرجة الأولى، حتى لو لم أحقق ذاتي بها أو أجد الفرصة المناسبة». 
ولفت محمد صالح إلى أن الكثيرين كانوا يعيبون على المخرج القدير بسبب قلة إنتاجه، ويتهمونه بالباطل بأنه كسول ومفرِّط في حق موهبته، لكنه كان يلتزم بعدم التنازل أو «الشغل والسلام»، أو أن تزيد محصلة أعماله على حساب جودتها.


 

back to top