دراما الصراخ
لم تعد الدراما منتجاً موسمياً للترفيه، بل غدت فضاءً رمزياً يعيد تشكيل الوعي الجمعي، ويعيد تعريف العلاقة بين الفرد ومجتمعه، وبين القيم الموروثة وتحولات الحداثة، ويتجلى هذا التحول بوضوح في موسم رمضان، حيث يتكاثف الإنتاج وتتصاعد المنافسة، فتتنوع الأعمال بين التراثي والمعاصر، الكوميدي والتراجيدي، الواقعي والمبالغ فيه، غير أن السؤال لم يعد في وفرة الأعمال، بل في الكيف الذي تُصاغ به هذه الوفرة.
الكويت، التي تُوصَف بـ «هوليوود الخليج»، تتصدر المشهد إنتاجياً، بما يقارب نصف حجم الدراما الخليجية في الموسم، بميزانية تتجاوز 6 ملايين دولار في صناعة تستوعب آلاف العاملين وتخاطب ملايين المشاهدين. هذا الزخم لا يمكن قراءته بوصفه حركة سوق فحسب، فالدراما، بحكم انتشارها، تؤدي وظيفة بنائية داخل المجتمع، سواء قصدت ذلك أم لم تقصده، ومن هنا تصبح قراءتها ضرورة نقدية لا موقفاً أخلاقياً مسبقاً، بل تحليلاً لبنية الخطاب الدرامي وتمثيله للصراع والسلطة والأسرة والهوية.
في أغلب الأعمال يبرز الصراع الأسري محوراً سردياً أساسياً، غير أن الإشكالية لا تكمن في تناول الصراع بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُضخَّم بها حتى يغدو هوية سردية كاملة، فبعض الأعمال تنحو إلى تحويل البيت الكويتي إلى ساحة صراخ دائم، تتراكم فيه الخيانات والمؤامرات والقطيعة، وكأن الأسرة لا تُعرّف إلا بوصفها بؤرة نزاع، هذا التركيز المفرط لا يعكس تعقيد الواقع بقدر ما يشوّهه، إذ يختزل العلاقات في انفعالات حادة، ويستبدل الحوار بالصوت المرتفع، والتوتر الطبيعي بالمبالغة الدائمة.بعض الأعمال تقدم البيت الكويتي كساحة نزاع تتراكم فيه الخيانات والمؤامرات والقطيعة
إن الأسرة الكويتية، بما تحمله من خصوصية ثقافية وتماسك اجتماعي، لا تُختزل في هذه الصورة القاتمة التي تُقدَّم أحياناً بإلحاح بصري وسمعي يكاد يكون مقززاً للمشاهد، فالمتلقي لا يرى في حياته اليومية ذلك القدر من الصراخ أو التربص أو الانهيار الأخلاقي المتواصل، ما يجعله يشعر بالاغتراب عن صورة يُفترض أنها تمثله، هنا تنتقل الدراما من مساءلة الواقع إلى اختلاق واقع بديل أكثر توتراً، لأن التوتر -إنتاجياً- أكثر جذباً، وأكثر قابلية للتسويق والانتشار.
المشكلة لا تكمن في كشف الخلل الأسري، ولا في تعرية التناقضات، فذلك جزء أصيل من وظيفة الفن، لكن حين يتحول الصراع إلى استعراض، وتغدو المبالغة أسلوباً ثابتاً، يحدث ما يمكن تسميته بـ «التطبيع الرمزي مع الأزمة»، إذ تُقدَّم العلاقة الأسرية بوصفها أزمة دائمة لا استثناء فيها، وكأن الشك والخيانة والقطيعة هي القاعدة، في هذه اللحظة، تفقد الدراما بعدها التحليلي، وتتحول إلى إعادة إنتاج مشهد صاخب يراكم الإحباط أكثر مما يفتح أفقاً للفهم.
في المقابل، قدّمت بعض الأعمال نماذج أكثر اتزاناً وجرأة، عالجت الصراع عبر شخصيات مركبة، ومنحت المرأة مساحة قرار ومسؤولية في بيئة أقل تقبلاً ووعياً، وقدّمت الكوميديا بوصفها «نقداً ناعماً» للعادات والبيروقراطية والتناقضات الاجتماعية، هذه الأعمال لا تنكر وجود التوتر، لكنها تضعه في سياقه، وتحوّله من مادة للتهويل إلى مدخل للتأمل.للدراما وظيفة نقدية داخل المجتمع فتكشف الخلل الأسري بهدف البناء لا الهدم والدعاية
وتعمل الدراما الرمضانية في بيئة تنافسية ضاغطة، ما يغري باللجوء إلى الموضوعات الصادمة لضمان الانتشار، وهنا يتضح التوتر بين الدراما كمنتج ثقافي والدراما كسلعة إعلامية، فكلما تغلّب منطق السوق على منطق الرؤية، ارتفعت احتمالات المبالغة، وجرت التضحية بواقعية الصورة لمصلحة كثافة الانفعال.
سؤال «الهدم أم البناء» ليس ثنائياً حاداً، بل طيفاً متدرجاً، فالدراما لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد تركيبه وفق رؤية صنّاعها، غير أن مسؤوليتها تظل قائمة، أن تعكس المجتمع بعمقه لا بسطحه، بتعقيده لا بضجيجه، فهي لا تهدم القيم بقدر ما تكشف هشاشتها، ولا تبنيها بقدر ما تضعها تحت المجهر، والدراما التي تطرح السؤال بصدق، بعيداً عن الصراخ والمغالاة، تظل علامة على مجتمع يحتفظ بحيويته النقدية، لا على مجتمع يُستثمر توتره لمكاسب إنتاجية عابرة.