سعر الدولار يقفز مجدداً بنسبة 1.3% مقابل الجنيه
حرب إيران تغيِّر بوصلة التضخم وتربك حسابات الفائدة
واصل سعر صرف الدولار موجة الارتفاع مقابل الجنيه المصري خلال تعاملات أمس، لتسجل العملة الأميركية مكاسب بنسبة 1.3% وتقترب من حاجز 53 جنيهاً، وبدأ الدولار رحلة الصعود مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، وزيادة وتيرة تخارج المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المصرية في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.
ووفق إحصاء أعدته «العربية Business»، فقد جاء أعلى سعر لصرف الدولار في بنك أبوظبي الإسلامي وبنك قطر الوطني وميد بنك وبنك بيت التمويل الكويتي عند مستوى 52.80 جنيهاً للشراء مقابل 52.90 جنيهاً للبيع، فيما جاء أقل سعر لصرف الدولار لدى بنك التعمير والإسكان عند مستوى 50.09 جنيهاً للشراء مقابل 50.19 جنيهاً للبيع.
وفي بنوك الأهلي المصري والإسكندرية والمصرف العربي وفيصل والتنمية الصناعية والمصرف المتحد و«سايب» و«إتش إس بي سي» سجل سعر الدولار 52.75 جنيهاً للشراء مقابل 52.85 جنيهاً للبيع. ولدى البنك المركزي المصري، سجل سعر صرف الدولار مستوى 52.10 جنيهاً للشراء مقابل 52.24 جنيهاً للبيع.
وكان الجنيه اختتم عام 2025 بأداء قوي، إذ ارتفع بنسبة 6.7% أمام الدولار منذ بداية العام الماضي، بدعم من القفزة القياسية في تحويلات المصريين العاملين بالخارج واستعادة السيولة في القطاع المصرفي.
وتراجع المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية EGX 30 في تعاملات أمس، مواصلاً الضغوط البيعية التي دفعت المؤشر إلى المنطقة الحمراء مع هبوط عدد كبير من الأسهم القيادية، وأظهرت بيانات التداول أن مؤشر EGX 30 انخفض بنسبة 1.72% منذ بداية الجلسة، ليصل إلى مستوى 45.971 نقطة بحلول الساعة 11:58 صباحاً بتوقيت القاهرة، متأثراً بعمليات بيع طالت شريحة واسعة من الأسهم.
وشهد السوق تداولات نشطة نسبياً، حيث بلغ إجمالي قيمة التداول نحو 19.9 مليار جنيه بكمية تداول تجاوزت 846 مليون ورقة مالية من خلال 120 ألف عملية، شملت التداول على 258 شركة، وأوضحت بيانات السوق أن 91 شركة سجلت ارتفاعاً في أسعار أسهمها، مقابل 85 شركة تراجعت أسهمها، بينما استقرت 42 شركة دون تغيير.
كما بلغ رأس المال السوقي للبورصة المصرية نحو 3.21 تريليونات جنيه. ويأتي تراجع المؤشر الرئيسي في ظل تحركات حذرة من المستثمرين وترقب لتطورات الأسواق العالمية وأسعار الطاقة، وسط تقلبات تشهدها الأسواق الدولية في الفترة الأخيرة.
وبينما تأهبت مصر لاستكمال المسار النزولي للتضخم حتى تستقر معدلاته في خانة الآحاد مع نهاية العام الجاري، جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتفرض مساراً مغايراً للمؤشر، بحسب محللين وخبراء تحدثوا مع «العربية Business».
وأشار المحللون إلى أن تداعيات الحرب تفرض ضغوطاً تضخمية جديدة تهدد بإنهاء موجة التراجع التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية، وسط توقعات بأن يقفز معدل التضخم إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها مصر منذ مايو 2025، حين تجاوز 16%.
واتفقوا على أن ارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد العالمية وتزايد الضغوط على سعر الصرف، عوامل رئيسية قد تدفع مؤشر التضخم إلى مسار صعودي غير متوقع، وبالتالي ينعكس على اتجاهات تسعير فائدة الجنيه.
وجاءت توقعات المحللين متزامنة مع تلويح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الثلاثاء الماضي، باحتمالية اتخاذ الدولة المصرية إجراءات استثنائية مؤقتة لضمان تدبير السلع الأساسية في حال زيادة مدة الحرب القائمة بالمنطقة.
ضغوط أسعار النفطخسائر حادة تضرب البورصة... والمؤشر الرئيسي يكسر مستوى 46 ألف نقطة
وقالت الاقتصادية الأولى بوحدة بحوث رامبل بشركة ثاندر لتداول الأوراق المالية، إسراء أحمد، إن استمرار ارتفاع أسعار النفط في ظل تصاعد التوترات الإقليمية يمثل خطراً مباشراً على مسار التضخم في مصر، إذ قد يقود إلى موجة تضخمية تعرقل تباطؤ المؤشر.
وأضافت أحمد، لـ«العربية Business»، أن عدم وضوح المستوى المستقر لأسعار النفط، إلى جانب غياب رؤية واضحة بشأن عقود التحوط الحكومية، يجعل من الصعب تقدير حجم التكلفة التي قد تُمرر على المستهلك، لكن «من المؤكد أن تشهد أسعار الوقود زيادات تنعكس مباشرة على معدلات التضخم».
واتفقت معها الخبيرة المصرفية نائبة رئيس بنك مصر سابقاً سهر الدماطي، التي قالت إن التطورات الإقليمية الأخيرة وما صاحبها من ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد ستنعكس بشكل مباشر على التضخم وسعر صرف الجنيه.
وأضافت الدماطي: «استمرار الحرب في المنطقة يرفع تكلفة الطاقة ويؤدي إلى زيادات متتالية في الأسعار، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على المستهلكين، ويحد من قدرة البنك المركزي على المضي قدماً في سياسة التيسير النقدي التي بدأها العام الماضي».
من جانبه، رجح الخبير الاقتصادي محمد أنيس ارتفاع التضخم بما يتراوح بين 2 و3% عن مستوياته الحالية التي تقل عن 12%، حال وصول الدولار إلى 56 جنيهاً، مضيفا أن استقرار أسعار النفط فوق 80 دولاراً للبرميل سيضغط على الموازنة العامة، لكن الأثر التضخمي المباشر لن يتحقق إلا إذا تبع ذلك رفع أسعار المحروقات محلياً.
وأردف أنيس: «في حال تزامن ارتفاع الدولار والنفط مع تحريك أسعار الوقود والحبوب، قد يعود التضخم إلى مستويات 15–16% بدلاً من مساره النزولي الحالي».
تراجع قيمة الجنيه
وأكدت إسراء أحمد أن حجم التداعيات السلبية على الاقتصاد المحلي سيظل مرتبطاً بمدى طول فترة التصعيد الإقليمي، لافتة إلى أن استمرار الأزمة سيضاعف الضغوط على قنوات التدفقات الأجنبية، وتابعت: «تجاوز الدولار مستوى 50 جنيهاً سيزيد من الضغوط التضخمية، ما يجعل أي خفض للفائدة مستبعداً حالياً إلا إذا تم احتواء الصراع سريعاً».
وشهدت أسعار الجنيه المصري تراجعاً حاداً منذ بداية الحرب الإيرانية، ليفقد أكثر من 1.8% من قيمته مسجلاً 50.25 جنيهاً بنهاية تعاملات الأربعاء.
في المقابل، يرى أنيس أن استمرار تداول الدولار في مصر بين 48 و50 جنيهاً غير مقلق بل يمثل السعر العادل له، وقال إن الدولار قد يشهد ارتفاعاً أكبر حال تسارع وتيرة تخارجات الاستثمارات غير المباشرة.
واستدرك: «خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين الحكومي بقيمة كبيرة تتجاوز على سبيل المثال 20 مليار دولار، سيعقبها ارتفاع سعر الدولار إلى مستويات بين 52 و56 جنيهاً».
وقف إجراءات التيسير النقدي
واستبعدت إسراء إمكانية استمرار خفض البنك المركزي أسعار الفائدة في ظل الظروف الراهنة، خصوصاً أن هناك ضغوطاً تضخمية قائمة بالفعل قبل اندلاع الحرب، حيث كان متوقعاً أن يسجل معدل التضخم في فبراير نحو 12.4% مقابل 11.9% في يناير، مدفوعاً بارتفاع أسعار السلع الغذائية والدواجن والسجائر، إضافة إلى بند التعليم.
ومع ذلك، شددت على أن قدرة مصر على مواجهة هذه التداعيات أفضل مما كانت عليه خلال أزمة حرب أوكرانيا وروسيا، موضحة أن مؤشرات الاقتصاد حالياً أكثر إيجابية، سواء من حيث معدلات النمو، أو تحسن التدفقات الأجنبية، أو تراجع مستويات التضخم.
واتفقت معها الدماطي، التي ترى أن تثبيت أسعار الفائدة هو الخيار الأكثر ترجيحاً في الوقت الحالي، بينما قد يضطر «المركزي» لاحقاً إلى العودة لسياسة التشديد النقدي إذا استمرت الضغوط التضخمية، أو اتخذ الفدرالي الأميركي إجراءات برفع الفائدة.
وبحسب الدماطي فإن الوضع الحالي للاقتصاد المصري لا يزال متماسكاً، حيث إن البنك المركزي المصري يمتلك احتياطيات نقدية قوية، إلى جانب تدفقات من المغتربين واللاجئين الذين يمثلون مصدراً إضافياً للنقد الأجنبي.
في المقابل، توقع الخبير الاقتصادي محمد أنيس استمرار البنك المركزي المصري في تنفيذ دورة التيسير النقدي الحالية لكن بوتيرة أبطأ نسبياً، مع تزايد التوقعات بظهور ضغوط تضخمية جراء الحرب.
ورجح أنيس خفض أسعار الفائدة في مصر بما يتراوح بين 5 و6% خلال عام 2026 بالكامل، مع احتمال تأجيل أي قرارات خفض جديدة إلى النصف الثاني من العام، في ظل تصاعد المخاطر التضخمية.
وتابع: «البنك المركزي بدأ بالفعل مسار الخفض بواقع 1% في اجتماع لجنة السياسة النقدية فبراير الماضي، لكن الحديث عن خفض آخر خلال اجتماع اللجنة في أبريل أصبح صعباً حالياً».
ومنذ أبريل من العام الماضي، خفض البنك المركزي المصري الفائدة على الجنيه 8.25%، لتتراجع على الإيداع والإقراض إلى 19% و20% على الترتيب.
وخلال تلك المدة انخفضت معدلات التضخم في مصر تدريجياً من مستوى يلامس 16.8% في مايو 2025، إلى 11.9% بنهاية يناير الماضي، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.