من بلاط الشاه إلى سجون الثورة
لماذا يهتف الإيرانيون «الموت للشاه»؟ ماذا فعلتُ بهم؟
بنبرةٍ حزينة كان هذا سؤال شاه إيران محمد بهلوي لعالم الاجتماع د. إحسان نراغي قبل شهرين من سقوط نظام حُكمه. سؤاله جاء في الوقت الضائع، ضمن سلسلة مقابلات أجراها ملك الملوك (كما أطلق على نفسه) مع نراغي، للتعرف على شعبه من بوابة الاجتماع، بعد أن يئس من أدواته البوليسية.
أجابه حينها نراغي، قائلاً: «لأننا نعيش في مجتمعٍ هرمي مُحكم يؤول فيه كل شيء إلى الرأس»، في تفسيرٍ بديهي لم ينتبه له الملك!
كان هتاف «الموت للشاه» امتداداً لهتاف الشعب الإيراني قبلها فوق سطوح طهران كل مساء، ولمدة ربع ساعة، مكبرين «الله أكبر» بتجانسٍ كبير (ديجافو الكويت 1990)، تلك الهتافات التي تطورت بعدها إلى تنظيم المظاهرات والإضراب العام، بعد أن ازدادت الهوة اتساعاً بين النظام وشعبه، وصولاً إلى الانهيار.
من المفارقات نفي نراغي سابقاً عن إيران عام 1969، بسبب آرائه النقدية الجريئة المنشورة في كُتبه ومقالاته، وهي الآراء التي لم يحتملها النظام قبل أن تتدهور الإمبراطورية، ليتحوَّل المنفيُّ إلى مستشارٍ شخصي للشاه، مُجتمعاً به على انفراد في سلسلة اجتماعات أطلق نراغي على كل منها عنواناً خاصاً في كتابه الذي أصدره لاحقاً بعنوان «من بلاط الشاه إلى سجون الثورة» (أحلام اليقظة - من برسيبوليس إلى بول سارتر - أزهار السجادة - لا تطلقوا النار على الشعب - مشاكل داخلية - التنازل المستحيل - ماذا يحصل في الغوادلوب - تأشيرة مصر)، والتي قام بتدوينها مع إرسال نسخة منها لأول رئيس وزراء للثورة (مهدي بازركان).
كانت تلك المخطوطات سبباً في أن ينتهي به المطاف بين قضبان سجن إيفين* السيئ السمعة، بتهمة انتمائه وتعاونه مع النظام البائد. لم يخرج نراغي من السجن إلا أواخر عام 1983 بعد براءته، في مفارقة، كون أدلة الاتهام والإدانة ذاتها أدلة البراءة، متمثلة في التسجيلات والوثائق، إضافة إلى تدخل ووساطة سائق السيارة (رسولي)، الذي كان يخدمه قبل الثورة، والذي أصبح ذا شأن لدى النظام الجديد.
في حديثٍ آخر، تذمَّر الشاه من عدم تحلي كوادره بمسؤولية إبلاغه بحقيقة الأوضاع، ومدى تدني شعبيته، رغم قدراتهم ومستواهم الرفيع، أجابه نراغي: «يا صاحب الجلالة، إنها نتيجة حتمية للنظام الهرمي الذي فرضته بنفسك، كل مسؤولي الدولة، بمن فيهم رئيس الوزراء، لم يعودوا يستشعرون أي مسؤولية مهنية أو سياسية، إذ إن كل القرارات المهمة تأتيهم من الأعلى فقط، لانفرادك بتحديد الأهداف والأدوات، لذا فقد اعتبرت النخبة أن دورها ينحصر بتزويدكم بما ترغبون بسماعه».
وأورد نراغي في هذا السياق مثالاً ذكياً، مُخاطباً الملك: «تعرف يا مولاي تماماً لعبة الشطرنج كما تعرف أن الهدف الأخير لهذه اللعبة هو حماية الملك، وأن خطة اللاعبين تقوم على استعمال قطعهم، والتضحية بها عند الحاجة، شرط الحفاظ على الملك، لكن مع ملاحظة أن مجال تحرك هذه القطع (الوزير والفيل والحصان والقلعة) أوسع بكثير من مجال الملك، الذي يقتصر تحركه على خانةٍ واحدة فقط!».
«المنقذ الوحيد هو الدستور» كان هذا عنوان الفصل الأخير من كتابه في رسالةٍ شمل بها النظام الحالي في إيران، متضمناً الآتي: رغم انتهاكات النظامين (الملكي والإسلامي) المتلاحقة يبقى الدستور هو السبيل الوحيد للتوازن والتفاهم، راسماً حدود الحكم، سامحاً بقيام التشكيلات السياسية، مُعطياً الشعب الحق في الاشتراك بتقرير مصير بلاده بشكلٍ فعلي لا صوري، وأن على النظام الاعتراف بأخطائه، وأولها احتقاره لحُرية الرأي. خارج هذه الحكمة سيكون الفشل والاضطراب والعنف مصيراً محتوماً، وهي المحصلة الحالية الماثلة أمام الأعين.
رحل نراغي عن الحياة عام 2012 مخلفاً عشرات الكُتب والمقالات التي لم تحظَ بعدُ بترجمتها للغة العربية رغم أهميتها. وبعد انقضاء 47 عاماً على الثورة، التي ضحَّى فيها عشرات الآلاف من الإيرانيين بأرواحهم ثمناً لها، يتبقى سؤال أخير أكتبه تحت نغمات صفارات الإنذار ووابل الصواريخ الطائشة التي تُطلقها علينا مدافع آية الله: أين يقف واقع إيران اليوم من أحلام وتطلعات ثوَّار الأمس الذين ثاروا سعياً لمستقبل أفضل؟
*سجن إيفين يقع شمال طهران، أسسه الشاه عام 1972 بسعة 320 سجيناً، وقامت الثورة الإسلامية لاحقاً بتوسعته، ليشمل 15.000 سجين. شهد السجن عدداً كبيراً من الإعدامات. لم يقتصر الموت على السجناء، فقد كان الاغتيال نصيب عدة مديرين لهذا السجن، مثل: محمد كاشوي (1981)، وأسد الله لاجوردي (1998).