الشيطان (4)... المُخلَصون
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.
المُخلِص بكسر اللام هو مَنْ يُخلِص لله عبادته. أما المُخلَص بفتحها، فهو مَنْ أخلصه الله لنفسه، واصطفاه وحفظه.
الأول يجاهد ليصل، والثاني يُحاط بالعناية.
كأن الإخلاص منك بداية الطريق.
أما الاصطفاء، فمن الله، تبارك وتعالى.
فمَنْ أراد أن يكون من المُخلَصين، فليس أمامه إلا أن يبدأ بالمُخلِصين، أن يُطهِّر نيته، ويُفرد وجهه لله في كل شأن، حتى إذا صدق في إخلاصه تولَّى الله خلاصه.
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾.
هنا تتبدَّل المعركة، ليس لأن الشيطان كفَّ عن كيده، بل لأن القلب امتلأ بالبصيرة، فلا يجد مدخلاً، ولا ثغرةً ينفذ منها.
يميِّز صاحبها بين حديث نفسه، ووسوسة عدوه، ثابتٌ لا يُستفز، حليمٌ لا تُحرِّكه العجلة، حاضرُ القلب، فلا تغلبه الغفلة.
يعيش يومه مطمئناً، لا يطارد خوف الغد، ولا يستهلك عُمره في القلق، لأن وكيله الله، تبارك وتعالى.
فلا يخاف إلا من ذنوبه، ولا يرجو إلا ربَّه، ويعلم أن الرزق والأجل والقدر بيد الواحد الأحد.
يُدرك أن الدنيا مليئة بالفخاخ، فإذا همَّت به نفسه لم يُسارع لإجابتها، كأن بينه وبين هواه مسافة نور.
هكذا يكون الأمان... لا بالتهوُّر، ولا بالتردُّد، بل بيقين التوكُّل على الله جل جلاله.
وليس بعد هذا البيان سلاح أفضل من الدعاء.
ففي هذا الشهر الفضيل، خاصة في العشر الأواخر، تضعف الحيل، وتسقط الأقنعة، ولا يبقى للعبد إلا أن يرفع قلبه قبل يديه إلى ربِّه.
فالدعاء ليس كلمات تُقال، بل هو لجوء صادق، وتسليم كامل، واعتصام بمَنْ بيده النجاة.
«اللهم بصِّرني بمداخل شياطين الإنس والجن، ولا تجعلني أستأنس بطاعةٍ مُزَيَّنة من كيدهم، واحفظ قلبي من خداعهم، ولا تجعل وسوستهم سبيلاً إليّ ما دمت تُبصِّرني بها، واكشف لي فخاخهم الخفية قبل أن أقع فيها، وثبِّت قلبي على طاعتك الخالصة، واجعلني من عبادك الذين تُنجيهم من كيدهم، واجعل أُنسي بك فوق كل أُنس، وأمان قلبي في محبتك وقربك، يا مجيب الدعوات، برحمتك يا أرحم الراحمين».