بدون مجاملة: عـبـور...
«الحياة رحلة»... هذه العبارة تتردَّد بكل اللغات، في مختلف النصوص والسياقات، وبطرحٍ بليغ أو بسيط، بالمعاني الفلسفية الفكرية، الروحية الدينية، المادية والمجردة.
نعيش كأفراد لنا كينونتنا الخاصة المتميزة في جماعات، وشعوب وأمم، ونتصادف ونتعارف، ننسجم مع أحوال وأشياء، وننفر من أخرى، ونتشارك أو نختلف، ونواجه تحديات، ونختبر ظروفاً، ونخوض تجارب. تجمعنا روابط وعلاقات، نتعلَّم ونجتهد، وقد نجهل حقائق كثيرة. نختار أساليب معيشة، ونمرُّ بمراحل وتغيُّرات، وتُلازمنا في كل اللحظات مشاعر... تتغيَّر وتتناقض، نفرح ونحزن، وتستمر الحياة.
ومع استمرارية الحياة تستجد الأوضاع، وتحملنا السنوات، وننتقل من طورٍ إلى آخر، ويلزم ذلك أن نتقبَّل ونتأقلم وننجو! نفقد مَنْ نحب، نضيع في الفراغ، نفكر في حقيقة هذه الرحلة... ونحاول أن نفهم، لنفعل الصواب ونسلم.
في كل مرة نصل عند محطة، نجلس لنُعيد تجميع ذكرياتنا وذواتنا، مَنْ نحن؟ وماذا نريد؟ وماذا سنفعل بعد؟ نصارع ألماً، أو ننطلق نطارد حلماً، أو نستعد لمسارٍ جديد. سيواجهنا طريق مختلف لا محالة. مهما تشابهت الأشياء، وتكرَّرت العناصر، فإن اليوم الذي ينقضي لا يعود، يأتي يوم جديد وتاريخ فريد.
إننا نعبر من ضفةٍ إلى أخرى، الحياة كلها عبور وانتقال وتجاوز. الحياة ليست دار استقرار ولا راحة، لم تدم يوماً على حال، ولن تصفو لأحد. الحياة الدنيا كلها مرحلة اختبار وابتلاء، طالت أم قصرت، سهلت أم صعبت، لن تأتي على هوانا، وستفرض علينا دائماً أن نعمل، ونحاول، ونتحمَّل إلى النهاية. وصف الإمام أحمد بن حنبل ذلك بمقولته «لا يرتاح المؤمن حتى يضع قدمه في الجنة».
رحلة الحياة معقدة، مزدحمة، متعبة، مبهَمَة أحياناً، أو واضحة بدرجةٍ قاسية! رحلة محفوفة بالمخاطر والملهيات، مليئة بالعقبات والتقلبات، المرء فيها يُقاتل على كل الجبهات، ولا أمان ولا سكينة إلا بالاعتصام بالله خالق الحياة ومَنْ فيها، وإليه مرجعها وحسابها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مالي وما للدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها».
اللهم أحسن أحوالنا ومآلنا.