«وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْف»
تمرّ الأوطان بأوقاتٍ حرجة، يُختبر فيها التماسك الاجتماعي وقوة المؤسسات، ويَظهر فيها أثر النظام واستعداده. ونحن نعيش مرحلة إقليمية حرجة، توترات متصاعدة ومحاولات اعتداء وهجمات إيرانية تستهدف أمن المنطقة والخليج. وفي ظل الأحداث الحالية، يظهر بجلاء أن الاستعداد والجاهزية وسرعة الاستجابة ليست مجرد إجراءات طارئة، بل نظام دولة تعرف قيمة السيادة وتُحسن الدفاع عنها.
إن الدولة حين تضطلع بمسؤولياتها كاملةً - حمايةً للحدود، وصونًا للسيادة، وضبطًا للأمن الداخلي، وتحركاً دبلوماسياً حكيماً - فإنها تؤدي واجبها الذي تقوم به الأوطان الراسخة. والحكومة، بمختلف أجهزتها ومؤسساتها، تعمل في هذه الظروف بروحٍ واحدة، تتكامل فيها الجهود العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية، ليبقى الوطن ثابتًا أمام العواصف.
إن وجود دولة منظّمة لشؤون الناس نعمةٌ كبرى، فبالحكومة تُدار المصالح، وتُحفظ الحقوق، وتُرعى الممتلكات، وتُنظَّم العلاقات بين الناس حتى لا تطغى قوةٌ على ضَعف، ولا يستبد رأيٌ بآخر.
وحين نتأمل في واقع كثيرٍ من الدول التي فقدت نعمة الأمن، ندرك حجم الفضل الذي نعيشه، فكم من شعبٍ يتمنى ساعة أمان، وكم من أسرةٍ تودّ لو عادت إليها دولةٌ تحميها وتنظم حياتها. عندها فقط نعرف أن الاستقرار ليس أمرًا عابرًا، بل هو ركيزة العمران، وأساس التقدم، وشرط الإبداع.
وإذا تأملنا في قوله تعالى ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وجدنا أن الحق سبحانه يلفتنا إلى قاعدتين تقوم عليهما حياة المجتمع: القوتُ الذي يُقيم الجسد، والأمنُ الذي يطمئنّ به القلب. فلا تستقيم حركة الحياة إلا إذا أمنتَ على نفسك، واطمأننتَ على رزقك. لأنّ الجائع لا يفكر إلّا في لقمة تسدّ رمقه، والخائف لا يهنأ إلا بالأمان. أما إذا اجتمع الجوع والخوف فعندها تتعطل الطاقات، وانكمشت النفوس، وضاقت الدنيا بما رحبت.
ولذلك قدّم سبحانه الإطعام على الأمن في الذكر، لأن الحاجة إلى القوت ضرورة البقاء، ثم أعقبها بالأمن، لأنه ضرورة الاستمرار. فبالغذاء تحيا الأجسام، وبالأمن تحيا الحضارات. وإذا أراد الله بقوم خيرًا جمع لهم بين الاثنين، فيأكلون بسلام، ويعملون بأمان، ويبنون وهم واثقون بأن ثمرة عملهم لن تُسلب منهم.
وهنا نفهم أن شكر النعمة لا يكون باللسان وحده، بل بصيانة أسبابها، فالأمن يُشكر بالحفاظ عليه، والرخاء يُشكر بحسن توظيفه، والوطن يُشكر بالالتفاف حوله وحول قياداته. فإذا وعينا هذه الحقيقة، أدركنا أن ما نعيشه من أمنٍ وأمان ليس أمرًا عابرًا، بل فضلٌ من الله يستحق دوام الحمد والوفاء.
إن شكر الحكومة ومؤسسات الدولة ليس مجاملة اجتماعية وشكليات، بل اعترافٌ بالمسؤولية التي تتحملها، وبالدور الذي تقوم به في صون السيادة وحماية المجتمع. نشكر العيون التي سهرت ورابطت، عيونٌ لا تُرى.. لكنها تَرى لأجلنا، عيون لا تطلب ثناءً، لكنها تستحقه، عيونٌ سهرت في قلق لنحيا في أمان.. حفظ الله الكويت، وجنود الكويت وحفظ شعبها وأميرها من كل مكروه.