نجوم خلف الكاميرا: عاطف سالم... فارس الفيلم الاجتماعي في العصر الذهبي

نشر في 06-03-2026
آخر تحديث 05-03-2026 | 16:03
لعبت المصادفة دورها في حياة المخرج عاطف سالم، حيث طرق أبواب الفن في السادسة عشرة من عمره، وصار من أهم المخرجين في العصر الذهبي للسينما المصرية، وقدم نحو 60 فيلماً روائياً، منها «جعلوني مجرماً» (1954) بطولة فريد شوقي، و«يوم من عمري» (1961)، بطولة عبدالحليم حافظ، و«أم العروسة» (1963) بطولة تحية كاريوكا. ورغم النجاح الجماهيري، تجاهل النقاد أعماله، لكنه ظل في موقعه خلف الكاميرا حتى أيامه الأخيرة، وبعد معاناة مع المرض والعزلة والتهميش، رحل عن عالمنا فارس الفيلم الاجتماعي يوم 30 يوليو 2002 عن عمر ناهز 75 عاماً. اشتعلت المنافسة بين عاطف سالم ومخرجي الأفلام الواقعية الجديدة، منهم يوسف شاهين وكمال الشيخ وصلاح أبوسيف وتوفيق صالح، وبعد نجاح فيلمه الأول «الحرمان» (1953)، تتابعت مسيرته الفنية لأكثر من نصف قرن، وترك بصمة إبداعية متفردة، وشكلت أفلامه جزءاً مهماً في تراث السينما المصرية، وتناول خلالها الكثير من القضايا الاجتماعية، وعبّر عن هموم الإنسان البسيط وإرادته الصلبة في مواجهة التحديات وتحقيق أحلامه، وأصبحت شخوص أفلامه مصدر إلهام للطامحين في تغيير حياتهم للأفضل.

أخرج عاطف سالم مجموعة من الأفلام التسجيلية، ووثق من خلالها محطات مهمة في تاريخ مصر الحديث بعد ثورة يوليو 1952، وهي «جنود المظلات» (1954) و«العودة إلى القاهرة» (1962)، و«العيد الثاني عشر للثورة» (1964)، و«فجر جديد» (1966)، و«الرمال الخضراء» (1966).

واكتشف المخرج المغامر العديد من النجوم، منهم النجمة نبيلة عبيد في «مافيش تفاهم» (1961)، وأسند لها دور كومبارس صامت، وبعد ذلك ساهم في انطلاق نجوميتها، وقامت بأدوار البطولة في بعض أفلامه، ومنح الوجه الجديد إيهاب نافع فرصة الظهور الأول في فيلم «الحقيقة العارية» (1963)، بطولة ماجدة ورشدي أباظة، وقدم النجم محمود عبدالعزيز لأول مرة في «الحفيد» (1975)، ومنح الوجه الجديد وفاء سالم اسمه وقدمها في فيلم «النمر الأسود» (1984) أمام النجمين أحمد مظهر وأحمد زكي.

قائد البلاتوه

وُلِد عاطف سالم لأسرة مصرية في 23 يوليو 1927 في بلدة الأُبيِّض بالسودان، وكان والده يعمل ضابطًا هناك، وله 7 أشقاء «ثلاثة أولاد وأربع بنات»، وظل في السودان حتى سن العاشرة ثم عاد مع أسرته إلى مصر، وعاش في حي السيدة زينب بالقاهرة، ثم انتقل إلى حي شبرا، وبعد المرحلة الثانوية، التحق بكلية الفنون التطبيقية، دون رغبة والده، ورفضه لدخوله المجال الفني، إلا أن والدته كانت دائمًا تشجعه، وفي تلك الفترة زاد شغفه بالسينما، وقرّر أن يقتحم عوالمها السحرية من بوابة التمثيل.

وذات يوم قادته المصادفة إلى تحقيق حلمه، عندما قابل المخرج الرائد أحمد جلال (والد المخرج نادر جلال) أثناء صعوده في «أسانسير» العمارة التي يقع فيها مكتبه، وطلب منه الفتى ذو السادسة عشرة عامًا، أن يعمل معه في السينما، واقتنع المخرج بموهبته، ورأى أنه يشبه إلى حد كبير أسطورة «هوليوود»، النجم الكوميدي ميكي روني، ومنحه دورًا ثانويًا في فيلم «ماجدة» (1943)، بطولة ماري كوين ومحسن سرحان وعباس فارس والمطربة سعاد محمد.

وترك سالم التمثيل بعد فرصة «ماجدة» وعثر على موهبته الحقيقية خلف الكاميرا، وانبهر أكثر بشخصية المخرج كقائد في «البلاتوه» وعمل مساعدًا للإخراج مع أحمد جلال ومخرجين آخرين، أبرزهم حلمي رفلة وحسين فوزي وأحمد بدرخان، وكان أول أجر حصل عليه 25 جنيهًا عن فيلم «أحب البلدي» (1945)، للمخرج حسين فوزي، وبطولة أنور وجدي وتحية كاريوكا، وعُرِف عن الشاب الصغير أنه أنشط من وقف خلف الكاميرا كمساعد مخرج، وقضى 10 سنوات يتنقل بين استديو وآخر، وينتظر تحقيق حلمه في الجلوس على مقعد المخرج.

25 جنيهاً أول أجر يحصل عليه المخرج المساعد في «أحب البلدي»

جريمة حب

تراكمت خبرات سالم كمساعد مخرج، ولفت الأنظار إليه كمخرج متميز، وحصل على منحة أميركية للسفر إلى «هوليوود»، وقضى هناك 6 أشهر، تنقل خلالها بين الاستديوهات العملاقة، وحضر دورات مكثفة في الإخراج والتصوير والمونتاج وكتابة السيناريو، وساهم ذلك في ثراء تجربته خلال مسيرته السينمائية الطويلة.

وقدّم سالم خلال فترة الخمسينيات 15 فيلمًا، منها الفيلم البوليسي «جريمة حب» (1955)، قصة الأديب أمين يوسف غراب وبطولة مريم فخرالدين وعماد حمدي وهند رستم، واستمر عرضه في دور السينما أسابيع طويلة.

أيقونة سينمائية

وتحوّلت بعض أفلام سالم إلى أيقونات سينمائية عابرة للزمن، منها «جعلوني مجرمًا» قصة وبطولة فريد شوقي، وسيناريو الأديب نجيب محفوظ، وشارك في التمثيل النجمة هدى سلطان ويحيى شاهين وسراج منير ونجمة إبراهيم، ويحتل الفيلم المركز 26 في قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية.

وتدور أحداث الفيلم حول مأساة الطفل سلطان الذي رحل والده، وظن أن عمه سيرعاه، لكنه استولى على ميراثه، فأصبح الفتى ضائعًا في الطريق، فالتقطته عصابة للنشل، ليقوم عمه بطرده ويودعه إصلاحية الأحداث، وبعد خروجه يحاول أن يجد عملًا شريفًا، لكن الأبواب أوصدت في وجهه، لأنه من أرباب السوابق الجنائية.

وعرض «جعلوني مجرما» لأول مرة يوم 18 أكتوبر 1954، وحقق نجاحًا ساحقًا، وانتقلت أصداؤه إلى الدوائر الحكومية، وصدر قانون مصري ينص على الإعفاء من السابقة الأولى في الصحيفة الجنائية، حتى يتمكن المخطئ من بدء حياة جديدة، ولا يفكر في العودة مجددًا إلى عالم الجريمة.

«فارس ظهر الخيل» تجربة مأساوية لمخرج منسي على مقعد متحرك

إحنا التلامذة

وقدم سالم «إحنا التلامذة» عام 1959، ويعد من أجرأ الأفلام المصرية التي ناقشت مشاكل الشباب، ويستند إلى جريمة حقيقية أثارت ضجة في ذلك الوقت، وارتكبها 4 من الشباب قتلوا صاحب بار في وسط القاهرة عام 1953 وقُدِموا لمحاكمة عسكرية عاجلة، وقضت بإعدام اثنين والأشغال الشاقة المؤبدة للثالث، و15 عامًا للرابع، الذي كان ينتظر خارج البار للمراقبة.

وكتب سيناريو الفيلم محمد أبويوسف وشارك في بطولته شكري سرحان وعمر الشريف وتحية كاريوكا ويوسف فخرالدين، وعُرِض «إحنا التلامذة» في مهرجان «مار دل بلاتا» في الأرجنتين عام 1960، ويحتل هذا الشريط السينمائي المركز رقم 44 في قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية.


تكريم عاطف سالم
تكريم عاطف سالم

خان الخليلي

تجوّل المخرج المغامر بالكاميرا في الأحياء الشعبية والراقية، وارتحل إلى أجواء الريف، وعبّر بصدق عن نبض الشارع المصري، وكان من أبرز المرشحين لإخراج ثلاثية الأديب الكبير نجيب محفوظ (بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية)، لكنها ذهبت إلى زميله المخرج حسن الإمام، والتقى سالم بمحفوظ في «خان الخليلي» (1966)، وكتب السيناريو محمد مصطفى سامي، وشارك في البطولة سميرة أحمد وعماد حمدي وحسن يوسف، وعُرِض الفيلم لأول مرة في 12 يناير 1966، ويُعد من أهم الأفلام التي قدمتها السينما المصرية في الستينيات.

واستعاد سالم مع النجم فريد شوقي بريق النجاح، وتحطيم الأرقام القياسية في شباك التذاكر، وأقنع المخرج المغامر ملك الترسو ببطولة الفيلم الميلودرامي «ومضى قطار العمر» (1975)، وشارك في بطولته ناهد شريف وسمير صبري ونورا، وحقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، واستمر عرضه 12 أسبوعًا في سينما ميامي بالقاهرة.

«مافيش تفاهم» يدفعه لاكتشاف نبيلة عبيد في دور كومبارس صامت

المحطة الأخيرة

تزوج المخرج عاطف سالم 3 مرات الأولى من السيدة أوديت رياض وأنجب منها بنتين، ليلى وسلوى، والثانية من الفنانة نبيلة عبيد، والثالثة من السيدة هانيا أبوالعز، وانتهت حالات الزواج تلك بالانفصال، وظلت حياته الشخصية بعيدة عن الأضواء.

وعاش المخرج الجماهيري وحيدًا، وكرّس وقته لإبداعه خلف الكاميرا، ولا يكترث بتجاهل النقاد لأعماله، والمفارقة أن الكثير منها نال جوائز في التمثيل وفروع أخرى دون الإخراج، وجاء تكريمه متأخرًا، حيث فاز بجائزة الدولة للتفوق في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة عام 1999.

وبعد توقف دام 7 سنوات، عاد سالم لإخراج فيلمه الأخير «فارس ظهر الخيل» (2001)، وواجه صعوبات بالغة أثناء تصويره، وأصيب بجلطة في المخ، وأكمل إخراح بقية المشاهد على كرسي متحرك، وانتقل للعيش في إحدى دور المسنين، واكتملت المأساة بفوز الفيلم بجائزة، وتجاهل دعوته لتسلمّها، وبعد شهر واحد من عيد ميلاده الخامس والسبعين، رحل المخرج المبدع، تاركًا إرثًا سينمائيًا لا ينمحي من ذاكرة ووجدان محبي فنه الراقي.

عمر الشريف يرد الاعتبار لمخرج ضل طريقه إلى العالمية

جمعت شراكة فنية بين المخرج عاطف سالم والنجم عمر الشريف، قبل انطلاق الأخير إلى الأفلام العالمية، والتقى الاثنان في «شاطئ الأسرار» (1958)، وشاركت في بطولته النجمة ماجدة الصباحي، وفي العام التالي «صراع في النيل» وشارك في بطولته النجم رشدي أباظة وهند رستم، و«إحنا التلامذة» (1959) بطولة شكري سرحان وتحية كاريوكا ويوسف فخرالدين. 

وبعد مشاركة الشريف في فيلم «لورانس العرب» (1962)، بدأ ينسحب تدريجيًا من السينما المصرية، وعرضت عليه العديد من السيناريوهات، واختار منها فيلم «المماليك» (1965) لثقته الكاملة بالتزام صديقه المخرج عاطف سالم بالوقت المحدد لتنفيذ الفيلم، وانضباطه الشديد في العمل، ويُعد آخر أفلامه مع مخرج مصري في ذلك الوقت، وشارك في بطولته نبيلة عبيد وعماد حمدي، وعُرِض الفيلم في مهرجان سالونيك اليوناني الدولي عام 1968.

وظلت الصداقة قائمة بين سالم والشريف، وحرص الأخير على مقابلة صديقه أثناء زياراته للقاهرة، وفي مقابلة تلفزيونية، ذكر النجم العالمي أن أهم أفلامه في السينما المصرية، كان مع عاطف سالم، وأنه من أعظم المخرجين ليس في مصر فقط، بل في العالم، لكنه ضلّ طريقه للعالمية.

«ومضى قطار العمر» مغامرة ميلودرامية مع ملك الترسو فريد شوقي

«النمر الأسود» يمنح أحمد زكي أول بطولة في سينما عاطف سالم

تحوّل فيلم «النمر الأسود» (1984) إلى أيقونة سينمائية تحفز على «الأمل والطموح»، وشهد الفيلم خطين متوازيين، الأول إعادة اكتشاف موهبة الفنان أحمد زكي في سينما المخرج عاطف سالم، الذي منحه دور البطولة بعد سنوات من تجسيد أدوار ثانوية، والخط الثاني رسالة الفيلم إلى الطامحين في تغيير حياتهم للأفضل، وتحقيق أحلامهم مهما بدت مستحيلة.

واستلهم عاطف سالم قصة حقيقية لشاب مصري مكافح سافر إلى ألمانيا جسّد دوره أحمد زكي، ورغم ظروفه المعيشية الصعبة استطاع أن يكون أحد أبرز رجال الأعمال ويحقق نجاحًا لافتًا، وصاغ سالم القصة مع الكاتب أحمد أبوالفتح والسيناريست بشير الديك في قالب درامي رومانسي.

وساهم «النمر الأسود» في نجومية الفنانة وفاء سالم، التي رغم مشاركتها في عدة أعمال فنية فيما بعد، لا يزال دور الفتاة الألمانية «هيلجا» من أنجح أدوارها على الشاشة، واكتمل نجاح الفيلم بمشاركة النجم أحمد مظهر في دور مدرب البطل، وداعمه لتحقيق البطولات.

وظل المخرج عاطف سالم في حالة اكتشاف دائم للمواهب، وتغيير الصورة النمطية للنجم في أذهان الجمهور، وبدت رؤيته السينمائية غريبة للكثيرين، لكنها بعد ذلك تثبت صحة اختياره، وعلى سبيل المثال، قدم الفنان عماد حمدي في دور الأب بعد سنوات من أدائه لدور الفتى الأول، وذلك في فيلم «أم العروسة» (1963)، وشارك في بطولته تحية كاريوكا وسميرة أحمد وحسن يوسف.

وأحدث سالم تناغمًا شديد التوافق بين حمدي وكاريوكا، وقال عن ذلك الاختيار في لقاء تلفزيوني قديم إن «علاقة الصداقة القوية مع عماد حمدي والثقة الشديدة بينهما جعلته يوافق على الدور، الذي كان مغامرة كبيرة وقتها، لكني رأيت توافقًا كبيرًا بينهما في الأداء»، وحقق الفيلم نجاحًا كبيرًا.

 

back to top