نجوم خلف الكاميرا: أحمد بدرخان... رائد الأفلام الغنائية
تحوّل أحمد بدرخان إلى ظاهرة فنية، ويعد من أبرز المخرجين الرواد، وأحد مؤسسي «استديو مصر»، وتعددت مواهبه بين الإخراج والتمثيل والإنتاج وكتابة السيناريو والشعر، وامتدت مسيرته أكثر من ثلاثة عقود، قدم خلالها نحو 40 فيلماً، وعُين نقيباً للسينمائيين، وأول رئيس لاتحاد النقابات الفنية، وكان أستاذاً لمادة الإخراج في المعهد العالي للسينما، وعميداً للمعهد مدة عام، ورحل رائد الأفلام الغنائية في 26 أغسطس 1969، عن عمر ناهز 60 عاماً، وما زال إبداعه المتفرد يثري وجدان ووعي المشاهد العربي حتى اليوم. تميز بدرخان بإخراج الأفلام الغنائية، بجانب الفيلم التاريخي والاجتماعي والرومانسي، واختار النقاد في عام 2023 أربعة من أفلامه ضمن قائمة أفضل مئة فيلم غنائي مصري، وله الفضل في تألق العديد من نجوم الطرب على الشاشة، منهم أم كلثوم وأسمهان وفريد الأطرش ونجاة الصغيرة ومحمد فوزي ومحمد عبدالمطلب. وطغى الطابع الرومانسي على أفلامه، وتفوّق على زملائه المخرجين في تصوير الأغنية السينمائية، ومزجها بالحدث الدرامي، ولأنه كان شاعراً وزجالاً، كان يبتكر أفكار أغاني أفلامه، ويكتب كلمات بعضها، ويعد رائداً لأغاني الفيديو كليب، فقد اختارته أم كلثوم لإخراج أغنيتها «إلى عرفات الله» للتلفزيون المصري في بداية الستينيات من القرن الماضي. ويعد بدرخان من المخرجين الرواد القلائل الذين درسوا في أكاديميات سينمائية، وخلال مسيرته المتميزة حصل على جوائز عدة في مجال الإنتاج والإخراج منها جائزة الدولة التقديرية (1954) ووسام الفنون (1962).
وُلِد أحمد بدرخان في 18 أكتوبر عام 1909 بحي الخليفة في القاهرة، ونشأ في أسرة تنتمي لأصول كردية ذات مكانة بارزة، وتعلق بالسينما في الثانية عشرة من عمره، وتردد كثيراً على دار سينما كوزمو بشارع عماد الدين في وسط القاهرة.
وكان أحد أفلام شارلي شابلن الصامتة أول ما شاهده بدرخان على الشاشة البيضاء، فأعجب به كثيراً وأحب التمثيل من خلاله، وصمم على أن يظهر على الشاشة. وشاركه تلك الهواية زميل الدراسة المخرج جمال مذكور، وترددا على مسرح رمسيس باستمرار لمشاهدة مسرحيات فرقة يوسف وهبي.
وحصل بدرخان على الشهادتين الابتدائية والثانوية من مدرسة الفرير، وفي عام 1930 التحق بمعهد التمثيل الذي أنشأه زكي طليمات، وبعد إغلاق المعهد، قدّم أوراقه للجامعة الأميركية وشارك في نشاط فريق التمثيل وكان يتولى تدريبه الفنان الكبير جورج أبيض، ثم كوّن بدرخان فريقاً للتمثيل أطلق عليه «فريق الطليعة» وقام بتمثيل أدوار البطولة في بعض المسرحيات.
وفي تلك الفترة التحق بكلية الحقوق لدراسة القانون، تلبية لرغبة والده، وبدأ في مراسلة معهد السينما في باريس، وكانت تصله محاضرات ودراسات في السينما استطاع أن ينشر معظمها في مجلة الصباح، وأسندت إليه فيما بعد تحرير قسم السينما الأسبوعي بالمجلة.
ولفت بدرخان انتباه الاقتصادي الكبير طلعت حرب، فاستدعاه وطلب منه تقريراً وافياً عن إمكانية إنشاء استديو سينمائي في مصر، فعكف على كتابة التقرير مستعيناً بما لديه من كتب ومقالات عن الاستديوهات، إضافة إلى المعلومات والتفاصيل الفنية بالاستديوهات، التي زوده بها صديقه المخرج نيازي مصطفى.
وحاز التقرير موافقة طلعت حرب، وبدأ في المشروع. وأثناء تنفيذه أرسل حرب بعثتين لدراسة السينما بفرنسا وألمانيا عام 1931. وكان بدرخان على رأس بعثة فرنسا، وفي باريس التقى الفنان نجيب الريحاني أثناء تصوير فيلمه «ياقوت أفندي» عام 1934، فعمل مساعداً لمخرج الفيلم أميل روزيه، وفي العام ذاته عاد إلى القاهرة، ومعه دبلومة في الإخراج.
وتأهب بدرخان لاحتراف الفن فور إنشاء أول استديو لتصوير الأفلام في مصر والعالم العربي، وكان يتكوّن من ثلاثة بلاتوهات للتصوير، ومعمل للتحميض والطبع، وقاعات لتسجيل الصوت والموسيقى ولعمل المونتاج. وكانت تلك أول إسهاماته في مسيرته السينمائية، وفي المقابل، عيّنه «استديو مصر» بوظيفة مخرج براتب 20 جنيهاً شهرياً.
أزمة «وداد» وكان «وداد» أول فيلم ينتجه «استديو مصر»، وتعاقد مع كوكب الشرق أم كلثوم لتكون بطلته، وكتب الشاعر أحمد رامي القصة، وكُلّف أحمد بدرخان بكتابة السيناريو والإخراج، وبعد انتهائه من كتابته اختار فريق العمل، الذي تكوَّن من جمال مدكور مساعداً للمخرج، ونيازي مصطفى للمونتاج، ومدير التصوير أحمد خورشيد، ومهندس الديكور ولي الدين سامح.
لكن المخرج أحمد سالم، مدير «استديو مصر» آنذاك، أبعد أحمد بدرخان عن إخراج الفيلم، بزعم أنه ليس مقبولاً أن يكون باكورةَ إنتاج «استديو مصر» فيلما من بطولة نجمة بحجم أم كلثوم ومن إخراج شاب ليست لديه تجارب سابقة.
وتلقى بدرخان صدمة قاسية في بداية مشواره، واعتبر أن هذا القرار يمس كرامته، فاستقال فوراً من وظيفته بالاستديو، وتولى فريتز كرامب، الألماني المقيم في مصر والخبير السينمائي في «استديو مصر» مهمة إخراج الفيلم.
«نشيد الأمل» تعاطفت أم كلثوم مع المخرج الشاب، وأصرّت على أن يكون مخرج ثاني أفلامها «نشيد الأمل» وله اسم آخر ظهر على الأفيش «منيت شبابي»، وبجانب الإخراج كتب بدرخان السيناريو والحوار، وشارك في البطولة زكي طليمات وماري منيب وعباس فارس واستيفان روستي، وعرض الفيلم في 11 يناير 1937، وحقق إيرادات عالية، ويحتل هذا الشريط السينمائي رقم 65 في تسلسل الأفلام المصرية الطويلة.
وبعد نجاح «نشيد الأمل» أخرج بدرخان 3 أفلام أخرى لأم كلثوم من أفلامها الستة، وكان لقاؤهما الثاني في «دنانير» وكتب بدرخان السيناريو والحوار، وشارك في البطولة سليمان نجيب ويحيى شاهين وزوز نبيل وفؤاد شفيق وعمر وصفي، وعرض الفيلم في 29 سبتمبر 1940، ولاقى إقبالاً جماهيرياً كبيراً، ويحتل «دنانير» الرقم 99 بقائمة أفضل مئة فيلم مصري.
ملصق فيلم «الله معنا»
وأخرج بدرخان آخر أفلام أم كلثوم (فاطمة) عام 1947 قصة مصطفى أمين وسيناريو وحوار بديع خيري، وشارك في البطولة أنور وجدي وعبدالفتاح القصري وسليمان نجيب وحسن فايق، وغنت فيه كوكب الشرق مجموعة من أشهر أغانيها، منها «الورد جميل» و«يا صباح الخير ياللي معانا» كلمات بيرم التونسي وألحان زكريا أحمد، و«أصون كرامتي» و«حاقابله بكره» و«ياللي اتحرمت الحنان» كلمات أحمد رامي وألحان رياض السنباطي.
«حياة الظلام» أخرج بدرخان سلسلة من الأفلام الغنائية، منها فيلمه الثاني «شيء من لا شيء» (1938) تأليف بديع خيري، وبطولة المطربة نجاة علي وعبدالفتاح القصري وفؤاد شفيق، ويدور في إطار درامي غنائي مستوحى من أجواء حكايات ألف ليلة وليلة، وبحتل الفيلم رقم 90 بقائمة الأفلام المصرية الطويلة.
ولعبت المصادفة دورها في إخراج أحمد بدرخان لهذا الفيلم، بعد الانتهاء من تصوير «لاشين» للمخرج فريتز كرامب، ووقتها رفض مدير «استديو مصر» أحمد سالم هدم الديكورات التي تكلفت مبالغ باهظة، وقرر استغلالها في إخراج فيلم كوميدي غنائى مستوحى من قصص ألف ليلة وليلة، مستغلاً الديكورات نفسها، وأسند إخراجه لبدرخان، وكان اسمه «هلال ونجمة» لكنه غيَّر الاسم إلى «شيء من لا شيء»، إشارة إلى نجاحهم فى إصدار فيلم من العدم. وابتعد بدرخان عن الأفلام الغنائية في «حياة الظلام» (1940) قصة محمود كامل حسن وبطولة ميمي شكيب ومحسن سرحان، ويدور في أجواء ميلودرامية حول شاب يحصل على شهادة في القانون ويرفض العمل بالمحاماة، ويريد أن يكون كاتباً روائياً، ويلتف حوله أصدقاء السوء، وتنقلب حياته رأساً على عقب.
تحوّل بدرخان إلى صانع أفلام، وكتب سيناريوهات معظم أفلامه، منها «انتصار الشباب» (1941)، ويعد الفيلم الوحيد الذي قام ببطولته الموسيقار فريد الأطرش وشقيقته المطربة أسمهان، وشاركهما البطولة أنور وجدي وعلوية جميل وعبدالسلام النابلسي وبشارة واكيم واستيفان روستي، ولحَّن الأطرش أغاني الفيلم ومنها «يا بدع الورد» كلمات حلمي الحكيم، و«ليالي الأُنس» و«ياللي هواك» كلمات أحمد رامي و«إيدي في إيدك» كلمات بيرم التونسي.
وعاد بدرخان إلى الميلودراما في «على مسرح الحياة» (1942) قصة حسن حلمي وبطولة حسين رياض وروحية خالد وزينب صدقي وفردوس محمد، وفي عام 1942 أخرج «مَن الجاني؟» قصة إبراهيم رمزي وبطولة أمينة رزق وعباس فارس وماري منيب وليلي فوزي ونجمة إبراهيم، وفي العام ذاته «الأبرياء» تأليف يوسف جوهر وبطولة حسين صدقي ورجاء عبده وزوزو ماضي.
تزوج المخرج الراحل أحمد بدرخان أربع مرات، الأولى من السيدة كريمة، وكانت من خارج الوسط الفني ولهما ابنتان» مشيرة وساتيرا، ثم تزوج من المطربة أسمهان، ثم من الممثلة روحية خالد، وكانت السيدة سلوى علّام آخر زوجاته عام 1944، وأنجبت له عليا ورقية، وسار الابن على خطى والده، وأصبح علي بدرخان مخرجاً سينمائياً معروفاً.
المحطة الأخيرة
أخرج بدرخان فيلم «غريبة» (1958)، سيناريو السيد بدير وبطولة نجاة الصغيرة وأحمد مظهر وأحمد رمزي، وابتعد المخرج الرائد عن السينما لثمانية أعوام، وقدم في الستينيات 4 أفلام فقط، أولها «سيد درويش» (1966)، تأليف سامي داود وبطولة هند رستم وكرم مطاوع، و«النصف الآخر» تأليف عبدالحميد جودة السحار وبطولة سميرة أحمد وعماد حمدي، و«أفراح» (1968) تأليف يوسف عيسي، وبطولة حسن يوسف ونجلاء فتحي.
واختتم بدرخان مشواره خلف الكاميرا، بفيلم «نادية» (1969) قصة يوسف السباعي وبطولة سعاد حسني وأحمد مظهر، ورحل المخرج الرائد قبل عرض الفيلم بأشهر قليلة، تاركاً بصمة فنية متفردة لا تزال خالدة في ذاكرة السينما العربية.
اصطدم المخرج الراحل أحمد بدرخان بالرقابة مرتين، الأولى قبل ثورة يوليو 1952، عندما أراد إخراج فيلم عن حياة الزعيم مصطفى كامل، ليكون وثيقة سينمائية لصفحات مضيئة من التاريخ الوطني، وفؤجئ برفض شركات الإنتاج للفكرة، بجانب تعنت الأجهزة الرقابية التي حاولت أن تثنى عزيمته عن هذا العمل.
وأصر بدرخان على إنتاج الفيلم على حسابه الخاص، وكتب قصته يوسف جوهر، وشارك في بطولته أنور أحمد في دور مصطفى كامل وأمينة رزق وماجدة ومحمود المليجي، وبدأ التصوير في جو من التوتر والتهديد، وبعد انتهائه من الفيلم، رفضت الرقابة التصريح بعرضه دون إبداء أسباب.
ورغم أن بدرخان وقع تحت تراكم الديون، فإنه ظل متماسكاً، لأنه أرضى ضميره ولفت الأنظار إلى عمله الوطني، وظل الفيلم ممنوعاً من العرض حتى قيام ثورة 1952، وأجيز عرضه، وحضر حفل الافتتاح أنور السادات كممثل عن مجلس قيادة الثورة.
وتعرّض بدرخان لأزمة رقابية أخرى، كادت تمنع عرض فيلمه «الله معنا» قصة إحسان عبدالقدوس وبطولة فاتن حمامة وشكري سرحان وعماد حمدي، والفيلم يتناول شخصية اللواء محمد نجيب قائد ثورة 1952 وكان دوره محورياً بالفيلم الذي تم تصويره قبل إعفاء نجيب من منصبه، فأوقفته الرقابة، وتظلم القائمون عليه لمجلس قيادة الثورة، فأجازه الرئيس جمال عبدالناصر، وحضر العرض الأول بنفسه في سينما ريفولي في 14 نوفمبر 1955.
وكان أحد أفلام شارلي شابلن الصامتة أول ما شاهده بدرخان على الشاشة البيضاء، فأعجب به كثيراً وأحب التمثيل من خلاله، وصمم على أن يظهر على الشاشة. وشاركه تلك الهواية زميل الدراسة المخرج جمال مذكور، وترددا على مسرح رمسيس باستمرار لمشاهدة مسرحيات فرقة يوسف وهبي.
وحصل بدرخان على الشهادتين الابتدائية والثانوية من مدرسة الفرير، وفي عام 1930 التحق بمعهد التمثيل الذي أنشأه زكي طليمات، وبعد إغلاق المعهد، قدّم أوراقه للجامعة الأميركية وشارك في نشاط فريق التمثيل وكان يتولى تدريبه الفنان الكبير جورج أبيض، ثم كوّن بدرخان فريقاً للتمثيل أطلق عليه «فريق الطليعة» وقام بتمثيل أدوار البطولة في بعض المسرحيات.
وفي تلك الفترة التحق بكلية الحقوق لدراسة القانون، تلبية لرغبة والده، وبدأ في مراسلة معهد السينما في باريس، وكانت تصله محاضرات ودراسات في السينما استطاع أن ينشر معظمها في مجلة الصباح، وأسندت إليه فيما بعد تحرير قسم السينما الأسبوعي بالمجلة.
صرح سينمائيأم كلثوم تختار مخرج أفلامها لتصوير أغنية «إلى عرفات الله»
ولفت بدرخان انتباه الاقتصادي الكبير طلعت حرب، فاستدعاه وطلب منه تقريراً وافياً عن إمكانية إنشاء استديو سينمائي في مصر، فعكف على كتابة التقرير مستعيناً بما لديه من كتب ومقالات عن الاستديوهات، إضافة إلى المعلومات والتفاصيل الفنية بالاستديوهات، التي زوده بها صديقه المخرج نيازي مصطفى.
وحاز التقرير موافقة طلعت حرب، وبدأ في المشروع. وأثناء تنفيذه أرسل حرب بعثتين لدراسة السينما بفرنسا وألمانيا عام 1931. وكان بدرخان على رأس بعثة فرنسا، وفي باريس التقى الفنان نجيب الريحاني أثناء تصوير فيلمه «ياقوت أفندي» عام 1934، فعمل مساعداً لمخرج الفيلم أميل روزيه، وفي العام ذاته عاد إلى القاهرة، ومعه دبلومة في الإخراج.
وتأهب بدرخان لاحتراف الفن فور إنشاء أول استديو لتصوير الأفلام في مصر والعالم العربي، وكان يتكوّن من ثلاثة بلاتوهات للتصوير، ومعمل للتحميض والطبع، وقاعات لتسجيل الصوت والموسيقى ولعمل المونتاج. وكانت تلك أول إسهاماته في مسيرته السينمائية، وفي المقابل، عيّنه «استديو مصر» بوظيفة مخرج براتب 20 جنيهاً شهرياً.
أزمة «وداد» وكان «وداد» أول فيلم ينتجه «استديو مصر»، وتعاقد مع كوكب الشرق أم كلثوم لتكون بطلته، وكتب الشاعر أحمد رامي القصة، وكُلّف أحمد بدرخان بكتابة السيناريو والإخراج، وبعد انتهائه من كتابته اختار فريق العمل، الذي تكوَّن من جمال مدكور مساعداً للمخرج، ونيازي مصطفى للمونتاج، ومدير التصوير أحمد خورشيد، ومهندس الديكور ولي الدين سامح.
لكن المخرج أحمد سالم، مدير «استديو مصر» آنذاك، أبعد أحمد بدرخان عن إخراج الفيلم، بزعم أنه ليس مقبولاً أن يكون باكورةَ إنتاج «استديو مصر» فيلما من بطولة نجمة بحجم أم كلثوم ومن إخراج شاب ليست لديه تجارب سابقة.
وتلقى بدرخان صدمة قاسية في بداية مشواره، واعتبر أن هذا القرار يمس كرامته، فاستقال فوراً من وظيفته بالاستديو، وتولى فريتز كرامب، الألماني المقيم في مصر والخبير السينمائي في «استديو مصر» مهمة إخراج الفيلم.
«نشيد الأمل» تعاطفت أم كلثوم مع المخرج الشاب، وأصرّت على أن يكون مخرج ثاني أفلامها «نشيد الأمل» وله اسم آخر ظهر على الأفيش «منيت شبابي»، وبجانب الإخراج كتب بدرخان السيناريو والحوار، وشارك في البطولة زكي طليمات وماري منيب وعباس فارس واستيفان روستي، وعرض الفيلم في 11 يناير 1937، وحقق إيرادات عالية، ويحتل هذا الشريط السينمائي رقم 65 في تسلسل الأفلام المصرية الطويلة.
وبعد نجاح «نشيد الأمل» أخرج بدرخان 3 أفلام أخرى لأم كلثوم من أفلامها الستة، وكان لقاؤهما الثاني في «دنانير» وكتب بدرخان السيناريو والحوار، وشارك في البطولة سليمان نجيب ويحيى شاهين وزوز نبيل وفؤاد شفيق وعمر وصفي، وعرض الفيلم في 29 سبتمبر 1940، ولاقى إقبالاً جماهيرياً كبيراً، ويحتل «دنانير» الرقم 99 بقائمة أفضل مئة فيلم مصري.
ملصق فيلم «الله معنا»
«عايدة» و»فاطمة» وبعد عامين التقى بدرخان وأم كلثوم في «عايدة» (1942) سيناريو وحوار فتوح نشاطي وشارك في البطولة المطرب إبراهيم حمودة وعبدالوارث عسر (مؤلف قصة الفيلم) وسليمان نجيب ونجوى سالم. وتدور القصة في إطار درامي غنائي حول الفتاة الريفية «عايدة»، ووالدها «محمد أفندي» يعمل في أرض زراعية يملكها «أمين باشا» وتحدث جريمة قتل في الضيعة، يموت فيها محمد أفندي ضحية قيامه بواجبه في نفس يوم حصول عايدة على البكالوريا (الثانوية العامة حاليًا)، ويشمل ابن الباشا عايدة بعطفه، وتلتحق بمعهد الموسيقى، وتتوالى الأحداث.الاقتصادي طلعت حرب كلّفه إعداد تقرير عن إنشاء «استوديو مصر»
وأخرج بدرخان آخر أفلام أم كلثوم (فاطمة) عام 1947 قصة مصطفى أمين وسيناريو وحوار بديع خيري، وشارك في البطولة أنور وجدي وعبدالفتاح القصري وسليمان نجيب وحسن فايق، وغنت فيه كوكب الشرق مجموعة من أشهر أغانيها، منها «الورد جميل» و«يا صباح الخير ياللي معانا» كلمات بيرم التونسي وألحان زكريا أحمد، و«أصون كرامتي» و«حاقابله بكره» و«ياللي اتحرمت الحنان» كلمات أحمد رامي وألحان رياض السنباطي.
«حياة الظلام» أخرج بدرخان سلسلة من الأفلام الغنائية، منها فيلمه الثاني «شيء من لا شيء» (1938) تأليف بديع خيري، وبطولة المطربة نجاة علي وعبدالفتاح القصري وفؤاد شفيق، ويدور في إطار درامي غنائي مستوحى من أجواء حكايات ألف ليلة وليلة، وبحتل الفيلم رقم 90 بقائمة الأفلام المصرية الطويلة.
ولعبت المصادفة دورها في إخراج أحمد بدرخان لهذا الفيلم، بعد الانتهاء من تصوير «لاشين» للمخرج فريتز كرامب، ووقتها رفض مدير «استديو مصر» أحمد سالم هدم الديكورات التي تكلفت مبالغ باهظة، وقرر استغلالها في إخراج فيلم كوميدي غنائى مستوحى من قصص ألف ليلة وليلة، مستغلاً الديكورات نفسها، وأسند إخراجه لبدرخان، وكان اسمه «هلال ونجمة» لكنه غيَّر الاسم إلى «شيء من لا شيء»، إشارة إلى نجاحهم فى إصدار فيلم من العدم. وابتعد بدرخان عن الأفلام الغنائية في «حياة الظلام» (1940) قصة محمود كامل حسن وبطولة ميمي شكيب ومحسن سرحان، ويدور في أجواء ميلودرامية حول شاب يحصل على شهادة في القانون ويرفض العمل بالمحاماة، ويريد أن يكون كاتباً روائياً، ويلتف حوله أصدقاء السوء، وتنقلب حياته رأساً على عقب.
«على مسرح الحياة»أحمد سالم يدفعه لإخراج «شيء من لا شيء» بديكورات «لاشين»
تحوّل بدرخان إلى صانع أفلام، وكتب سيناريوهات معظم أفلامه، منها «انتصار الشباب» (1941)، ويعد الفيلم الوحيد الذي قام ببطولته الموسيقار فريد الأطرش وشقيقته المطربة أسمهان، وشاركهما البطولة أنور وجدي وعلوية جميل وعبدالسلام النابلسي وبشارة واكيم واستيفان روستي، ولحَّن الأطرش أغاني الفيلم ومنها «يا بدع الورد» كلمات حلمي الحكيم، و«ليالي الأُنس» و«ياللي هواك» كلمات أحمد رامي و«إيدي في إيدك» كلمات بيرم التونسي.
وعاد بدرخان إلى الميلودراما في «على مسرح الحياة» (1942) قصة حسن حلمي وبطولة حسين رياض وروحية خالد وزينب صدقي وفردوس محمد، وفي عام 1942 أخرج «مَن الجاني؟» قصة إبراهيم رمزي وبطولة أمينة رزق وعباس فارس وماري منيب وليلي فوزي ونجمة إبراهيم، وفي العام ذاته «الأبرياء» تأليف يوسف جوهر وبطولة حسين صدقي ورجاء عبده وزوزو ماضي.
الزوجات الأربع«انتصار الشباب» تجربة استثنائية مع فريد الأطرش وأسمهان
تزوج المخرج الراحل أحمد بدرخان أربع مرات، الأولى من السيدة كريمة، وكانت من خارج الوسط الفني ولهما ابنتان» مشيرة وساتيرا، ثم تزوج من المطربة أسمهان، ثم من الممثلة روحية خالد، وكانت السيدة سلوى علّام آخر زوجاته عام 1944، وأنجبت له عليا ورقية، وسار الابن على خطى والده، وأصبح علي بدرخان مخرجاً سينمائياً معروفاً.
المحطة الأخيرة
أخرج بدرخان فيلم «غريبة» (1958)، سيناريو السيد بدير وبطولة نجاة الصغيرة وأحمد مظهر وأحمد رمزي، وابتعد المخرج الرائد عن السينما لثمانية أعوام، وقدم في الستينيات 4 أفلام فقط، أولها «سيد درويش» (1966)، تأليف سامي داود وبطولة هند رستم وكرم مطاوع، و«النصف الآخر» تأليف عبدالحميد جودة السحار وبطولة سميرة أحمد وعماد حمدي، و«أفراح» (1968) تأليف يوسف عيسي، وبطولة حسن يوسف ونجلاء فتحي.
واختتم بدرخان مشواره خلف الكاميرا، بفيلم «نادية» (1969) قصة يوسف السباعي وبطولة سعاد حسني وأحمد مظهر، ورحل المخرج الرائد قبل عرض الفيلم بأشهر قليلة، تاركاً بصمة فنية متفردة لا تزال خالدة في ذاكرة السينما العربية.
عبدالناصر يحضر العرض الأول للفيلم الممنوع «الله معنا»أستاذ الإخراج يحصل على منصب عميد المعهد العالي للسينما
اصطدم المخرج الراحل أحمد بدرخان بالرقابة مرتين، الأولى قبل ثورة يوليو 1952، عندما أراد إخراج فيلم عن حياة الزعيم مصطفى كامل، ليكون وثيقة سينمائية لصفحات مضيئة من التاريخ الوطني، وفؤجئ برفض شركات الإنتاج للفكرة، بجانب تعنت الأجهزة الرقابية التي حاولت أن تثنى عزيمته عن هذا العمل.
وأصر بدرخان على إنتاج الفيلم على حسابه الخاص، وكتب قصته يوسف جوهر، وشارك في بطولته أنور أحمد في دور مصطفى كامل وأمينة رزق وماجدة ومحمود المليجي، وبدأ التصوير في جو من التوتر والتهديد، وبعد انتهائه من الفيلم، رفضت الرقابة التصريح بعرضه دون إبداء أسباب.
ورغم أن بدرخان وقع تحت تراكم الديون، فإنه ظل متماسكاً، لأنه أرضى ضميره ولفت الأنظار إلى عمله الوطني، وظل الفيلم ممنوعاً من العرض حتى قيام ثورة 1952، وأجيز عرضه، وحضر حفل الافتتاح أنور السادات كممثل عن مجلس قيادة الثورة.
وتعرّض بدرخان لأزمة رقابية أخرى، كادت تمنع عرض فيلمه «الله معنا» قصة إحسان عبدالقدوس وبطولة فاتن حمامة وشكري سرحان وعماد حمدي، والفيلم يتناول شخصية اللواء محمد نجيب قائد ثورة 1952 وكان دوره محورياً بالفيلم الذي تم تصويره قبل إعفاء نجيب من منصبه، فأوقفته الرقابة، وتظلم القائمون عليه لمجلس قيادة الثورة، فأجازه الرئيس جمال عبدالناصر، وحضر العرض الأول بنفسه في سينما ريفولي في 14 نوفمبر 1955.