افتتاحية: العدوان الإيراني يستوجب إعادة تقييم العلاقات
وسط تلك الحرب المستعرة في المنطقة، وما صاحبها من اعتداءات امتد شررها إلى دول الخليج العربية، وفي مقدمتها دولة الكويت، لم يعد هناك جدال أو شك في حقيقة النهج العدواني الذي تتبعه إيران في علاقاتها مع جاراتها المسالمة، والذي يتناقض مع ما تعلنه من التزام بسياسات حسن الجوار معها واحترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وقد أكدت الوقائع الميدانية التي صاحبت الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على طهران، أن الخطاب الدبلوماسي الإيراني ونبرة الود التي تحرص عليها، والنفي المستمر للتدخل في شؤوننا الوطنية، لم تكن كلها سوى غطاء لتحركات توسعية ممتدة منذ ثمانينيات القرن الماضي، حتى جاءت الأزمة الراهنة لتسقط عنها ورقة التوت، وتؤكد الحقيقة التي حاولنا بسلوكنا المهذب تغييرها في نفوسهم.
ورغم ذلك فإن الكويت لم تكن بحاجة إلى مزيد من الأدلة لإدراك طبيعة هذه السياسات، إذ شهدت المنطقة سلسلة من الوقائع تؤكد هذا النهج، بدءاً من تفجيرات الثمانينيات، ومروراً بقضية خلية العبدلي عام 2015، وصولاً إلى التهديدات التي أعقبت مقتل قاسم سليماني مطلع عام 2020، حين أعلنت طهران نيتها الرد على الوجود الأميركي في المنطقة، غير أن تداعيات ذلك التصعيد انعكست بصورة مباشرة على دول الخليج.
ثم تكرر هذا النمط خلال حرب غزة عقب أحداث 7 أكتوبر 2023، حيث أعلنت إيران أنها بصدد الرد على الاعتداءات الإسرائيلية، إلا أن الرد كان بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه أهداف في المنطقة، الأمر الذي أدى إلى إغلاق مجالات جوية وتعطيل رحلات مدنية في عدد من دول الخليج، من بينها الكويت، بما يعكس استهدافاً مباشراً لأمننا المدني وبنيتنا الحيوية.
وليس بعيداً عن هذا المد الأخطبوطي التوسعي ما صدَّرته الجارة الإيرانية خارج حدودها من مؤامرات عبر أذرعها في سورية ولبنان واليمن والعراق، إضافة إلى محاولاتها الفاشلة في البحرين، من خلال دعم تشكيلات وأذرع تعمل على تقويض مؤسسات الدولة ونشر الفوضى، في مخالفة صريحة لمبادئ السيادة وعدم التدخل، وهو ما لم تفلح في تحقيقه داخل المجتمعات الخليجية بفضل تماسكها واستقرارها.
وفي الوقت الذي تروج إيران أن استهدافها دول الخليج يقتصر على ما فيها من مصالح أو قواعد أجنبية، فإن الواقع يثبت عكس ذلك، حيث طالت الاعتداءات منشآت مدنية وأراضي دول ذات سيادة، بما في ذلك مرافق حيوية داخل الكويت، إلى جانب استهداف السعودية والإمارات وقطر والبحرين دون تمييز بين أهداف عسكرية ومدنية، الأمر الذي يعكس استخفافاً واضحاً بأمن الشعوب واستقرارها، وتجاوزاً للأعراف والقوانين الدولية.
إن هذا النهج العدواني الذي تتبعه طهران يطرح تساؤلات مشروعة حول أسباب الاعتداء على دول الخليج تحديداً، رغم وجود مصالح وقواعد أجنبية في مناطق أخرى، وهو ما يعكس نمطاً متكرراً من السلوك العدواني الذي يستهدف الدول المسالمة، ويقوض أسس العلاقات القائمة على حسن الجوار والاحترام المتبادل.
ومن المعروف أن العلاقات بين الدول لا تُقاس بالتصريحات، بل تُختبر بالمواقف، ومدى احترام السيادة وصون الأمن والاستقرار، والامتناع عن تحويل أراضي الدول إلى ساحات لتصفية الصراعات وتوجيه الرسائل العسكرية، فالدولة التي تحترم جيرانها لا تعرضهم لمخاطر الصراعات، ولا تجعلهم أدوات ضغط في نزاعاتها، وأي سلوك يخالف ذلك يفقد مع مرور الوقت مقومات الثقة ويقوض مفهوم الصداقة بين الدول.
وعليه، ومع استمرار هذه الممارسات والاعتداءات التي تتجاوز إمكانية التغاضي عنها أو التسامح معها، فإن المرحلة الراهنة تستوجب منا خاصة، بل من كل دول الخليج، موقفاً واضحاً ومسؤولاً، عبر إعادة تقييم شاملة لطبيعة العلاقات مع إيران، واتخاذ ما يلزم من إجراءات دبلوماسية وسياسية تتناسب مع حجم التهديدات والتحديات الراهنة.