مرحلة التحول التاريخي

نشر في 02-03-2026
آخر تحديث 01-03-2026 | 16:59
 د. بلال عقل الصنديد

دخل الشرق الأوسط مرحلة تحوّل تاريخي على أثر اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران والثنائي الأميركي-الإسرائيلي، الأمر الذي بدأ مرتفع الحدّية بفعل الإطاحة بأعلى رموز النظام الإيراني وفتح الباب أمام معادلات جديدة تحكمها القوة.

فوفقاً لتحليلات برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية – وهو مركز أبحاث أميركي مختص بالتحليل الاستراتيجي للقضايا الدولية – فإن الشرق الأوسط انتقل من حالة إعادة تشكّل غير مستقرة إلى اختبار ميداني لموازين القوة، حيث يسعى الفاعلون الدوليون والإقليميون إلى تكريس قدرتهم على التأثير في مسارات الصراع، ولو على حساب الانزلاق الواسع نحو أفق غير مألوف في بنيته ومعادلاته.

في هذا السياق، لم تعد سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران مقتصرة على أدوات الضغط الدبلوماسي أو إدارة مسارات التفاوض غير المباشر، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدّماً قوامها الاشتباك المحسوب تحت سقف «الاحتواء الصارم». فعلى الرغم من استمرار الخطاب الأميركي، طوال فترة التفاوض، في التأكيد على أولوية منع اتساع رقعة الحرب، فإن جملة التحركات العسكرية المتصاعدة، واندفاع بنيامين نتنياهو نحو توسيع هامش الضغط العسكري، كانت جميعها مؤشرات واضحة على أن استراتيجية منع إيران من امتلاك أوراق استراتيجية -البرنامج النووي، الصواريخ البالستية، شبكات الحلفاء- لم تعد تُدار بوسائل سياسية، بل بالردع الحاسم.

لا يمكن قراءة المشهد الإقليمي من زاوية ضيقة، قوامها الصراع الأميركي-الإيراني فقط. فدور الكيان الإسرائيلي في أن يكون رأس حربة في الضربات النوعية يعكس توجهاته لتكريس معادلة الردع الاستباقي، كما يتطابق مع الرغبة المعلنة لبنيامين نتنياهو لتثبيت سطوته في «الشرق الأوسط الجديد». بالمقابل تتحرك دول الخليج والدول الإقليمية بحذر مدروس، محاولة تجنيب اقتصاداتها ومجتمعاتها ارتدادات المواجهة، ومكثفة اتصالاتها الدبلوماسية لتفادي الأخطر، رغم ما تحمّلته من استفزاز وعدوان مدان وغير مبرر على مرافقها الحيوية.

هذا التصعيد يتقاطع مع تحوّل أوسع في النظام الدولي، حيث تتأرجح الهيمنة الأميركية بين رغبة في فرض الانضباط بالقوة وبين إرهاق استراتيجي يحدّ من القدرة على خوض حروب طويلة. وفي ظل التوجهات داخل واشنطن التي تميل إلى إعادة تعريف الأولويات بعيداً عن منطق العولمة المفتوحة، يبرز نظام دولي رمادي، تتراجع فيه الضوابط التقليدية وتتعاظم فيه الحسابات الوطنية الضيقة. وفي هذا المناخ، يصبح الشرق الأوسط ساحة اختبار لإدارة المخاطر الكبرى، لا ساحة تسويات مستقرة.

نتيجة هذا التداخل بين اشتباك إقليمي مباشر ونظام دولي متقلّب، يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة، غامضة بعض الشيء ومرهقة حتماً، حيث ترتفع كلفة الصراع -المباشر إن بقي النظام، وغير المباشر إن نشطت خلاياه النائمة- اقتصادياً وسياسياً وأمنياً وبالطبع اجتماعياً، فيما تسعى دول المنطقة إلى إبقائه ضمن حدود التحكم.

المنطقة قد لا تكون أمام حرب شاملة طويلة الأمد، لكنها أيضاً لم تدخل دائرة السلم المستدام، ففضاء المواجهة مفتوح على احتمالات متعددة، معيار القوة فيها ليس الحسم السريع، بل القدرة على امتصاص الضربات، وإدارة الكلفة، وإعادة التموضع الاستراتيجي.

ويبقى السؤال الجوهري: هل يستطيع الفاعلون الإقليميون تحويل هذا الانفجار إلى لحظة إنطلاق في المسار التصاعدي، أم أن منطق القوة واحتماليات النزاعات المتفرقة ستستنزف الجميع؟

 

back to top