على الطريق: الدبلوماسية الكويتية... اتزان والتزام

نشر في 02-03-2026
آخر تحديث 01-03-2026 | 16:57
 دهيران أبا الخيل

اختلاق الجدل بين الحين والآخر حول ملف الحدود المائية بين العراق والكويت أصبح كالأسطوانة المشروخة، خصوصاً مع كل استحقاق برلماني في العراق، حيث يبرز ذلك في الخطاب السياسي لبعض البرلمانيين، إلا أن السياسة الخارجية الكويتية حافظت على نهج ثابت يقوم على التمسك بالشرعية الدولية، والالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات المعترف بها دولياً.

وترتكز الكويت في موقفها على قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 833 لسنة 1993 الذي ثبّت ترسيم الحدود البرية والبحرية بين البلدين عقب حرب تحرير الكويت، وقد جرى تحديد الحدود من خلال لجنة أممية مختصة، واعتمدت الأمم المتحدة الإحداثيات والخرائط الرسمية، ما منحها صفة الإلزام القانوني الدولي، ومن هذا المنطلق تؤكد الكويت أن مسألة الحدود محسومة قانونياً، وليست محل تفاوض سياسي أو اجتهادات ظرفية.

وفيما يتعلق باتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبدالله الموقعة عام 2012 شددت الكويت على أنها اتفاقية لتنظيم الملاحة، وضمان حقوق الطرفين دون مساس بالسيادة. وعندما أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق قراراً بعدم دستورية قانون التصديق على الاتفاقية تعاملت الكويت مع الأمر بهدوء دبلوماسي، مؤكدة أن الالتزامات الدولية لا تُلغى بقرارات داخلية أحادية، وأن أي تعديل يستوجب اتفاقاً ثنائياً، ووفق الأطر القانونية الدولية.

هذا الموقف يعكس فلسفة راسخة في السياسة الخارجية الكويتية تقوم على احترام التعهدات الدولية، والاحتكام إلى القانون بعيداً عن التصعيد الإعلامي أو الردود الانفعالية، فالكويت تدرك حساسية الملف وأهميته، لكنها تميز بين المواقف الرسمية العراقية وبين التصريحات الفردية التي قد ترتبط بحسابات داخلية أو خارجية.

وفي كل لحظة توتر تحرص الكويت على التحرك عبر القنوات الدبلوماسية، سواء من خلال الأمم المتحدة أو بالتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية. وغالباً ما تحظى بدعم إقليمي ودولي يؤكد ضرورة احترام قرارات مجلس الأمن، وعدم المساس بالحدود المعترف بها دوليا، باعتبار ذلك ضمانة للاستقرار في المنطقة.

من جهة أخرى، أرى أن إعادة إثارة ملف خريطة الحدود المائية في بعض الأوساط السياسية العراقية تأتي أحياناً في سياق استعراض مواقف شخصية قبيل الانتخابات. إلا أن هذه الطروحات تبقى ضمن الإطار الخطابي، إذ لا يستطيع العراق تجاوز الالتزامات الدولية التي يرتبط بها كعضو في الأمم المتحدة.

في المحصلة تقدم الكويت نموذجاً في إدارة الأزمات يقوم على ثبات المبدأ وهدوء الأسلوب، فهي متمسكة بسيادتها وحدودها المعترف بها دولياً، وفي الوقت ذاته تحرص على استمرار علاقات حسن الجوار  مع العراق ودعم استقراره، وبين تصريحات لا مسؤولة من بعض من لا يملك قراره ولا يريد الخير لهذا البلد الشقيق، وبين موقف قانوني ثابت يبقى القانون الدولي هو المرجعية، وتبقى الدبلوماسية الكويتية عنواناً للاتزان والالتزام.

back to top