ما لا تراه المدينة...
تستيقظ المدينة كل صباح وكأنها تعرف ما يجب عليها فعله. الماء يصل إلى البيوت، الأنوار تضيء الشوارع، الطرق مفتوحة. نمضي في يومنا دون تفكير، فكل شيء «يعمل». لا نتوقف كثيرًا عند التفاصيل، ولا نسأل كيف وصلت هذه الخدمات، أو من سهر عليها، أو كم قرارًا كان لا بد أن يُتخذ حتى يبدو المشهد طبيعيًا. فالطبيعي، في المدن الحديثة، أن تسير الأمور دون أن نشعر بها. لكن هذا الاعتياد يخفي وراءه عالمًا كاملًا لا نراه.الأنظمة التي تبدو مستقرة لا تعمل وحدها، ولا تتحرك تلقائيًا. خلف كل خدمة جدول صيانة، وخلف كل تدفّق قرار، وخلف كل هدوء ساعات من العمل الصامت. أحيانًا تُدار الأمور بموارد أقل مما ينبغي، أو بوقت أضيق مما يسمح به المنطق، أو بقرارات مؤجلة لأن الأولويات لا تتسع للجميع. ما نراه استقرارًا هو في كثير من الأحيان توازن هش، يُحافَظ عليه بالخبرة أكثر مما يُحافَظ عليه بالوفرة.
في هذا المشهد، يغيب الإنسان عن الصورة العامة. لا نرى الفرق الفنية التي تعمل ليلًا كي لا تتعطل المدينة نهارًا. لا نرى المهندسين الذين يتعاملون مع أنظمة معقّدة تحت ضغط الاستمرارية، حيث لا يُسمح للفشل بالظهور. في هذه المنظومات، النجاح يعني ألا يحدث شيء. أن تمرّ الأيام دون أخبار، ودون أعطال، ودون لفت انتباه. وهو أصعب أنواع النجاح.
والمفارقة أن المدن لا تبدأ في الرؤية إلا عند التوقف. حين تنقطع خدمة، أو يتأخر إصلاح، أو يظهر خلل، يتحول ما كان غير مرئي إلى واجهة النقاش. نبدأ بالأسئلة، وبالبحث عن المسؤول، وبمراجعة ما كان يفترض أن يُفعل. لكن نادرًا ما نسأل عن كل الأيام التي سبقت هذا الخلل، حين كانت الأمور تعمل لأن هناك من كان يراقب، ويحل، ويوازن، ويتحمل ضغطًا لا يظهر في التقارير ولا في العناوين.
ربما لا تحتاج مدننا إلى أن تكون أكثر ذكاءً بقدر ما تحتاج إلى أن تكون أكثر وعيًا. وعيًا بما يجري تحت السطح، وبأن الاستقرار ليس حالة دائمة، بل نتيجة جهد مستمر. فحين نفهم أن ما نعتبره بديهيًا هو في الحقيقة عمل متراكم، سنبدأ في تقدير التفاصيل، واحترام القرار، والنظر إلى البنية التحتية لا كخلفية صامتة، بل كقلب نابض.
على الهامش: أعلنت اللجنة العليا لمشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص فوز شركة Beyon بمشروع تطوير شبكة الاتصالات الثابتة في الكويت، لتوفير شبكة حديثة بسرعات تصل إلى 10 غيغابت/ثانية، مع تخصيص 65٪ من الوظائف للمواطنين وطرح 50٪ من أسهم المشروع للاكتتاب العام.
هامش اخير: في الوضوء، كما في أبسط الطقوس، تختبئ أعظم المعاني؛ فحتى على نهرٍ جارٍ، يبقى الاعتدال مطلوبًا. أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.