أسئلة وجواب خاموش
هل ما حدث لمحطة مشرف لتصفية المجاري كان قضاءً وقدراً؟
أم أن القدر هذه المرة ارتدى خوذة مهندس، وتأخر عن موعد الصيانة، ووقّع على استلام أعمال لم تُنجز كما يجب؟
يبدو أن «القضاء والقدر» في بلادنا يعمل بنظام المناقصات.
محطة مشرف لم تستيقظ فجأة وقررت أن تتعطل بدافع الملل. الأعطال لا تنبت مثل الفطر بعد المطر. هي ثمرة طبيعية لشجرة اسمها: إهمال، وسوء إدارة، وتراكم مسؤوليات بلا محاسبة. فمن شيّد المحطة في موقع إشكالي قبل سنوات، ومن صمت حين تعطلت سابقاً، ومن اكتفى بالتطمينات الورقية بدل إصلاح الخلل من جذوره — كلهم شركاء في هذه السيمفونية العطرية التي وصلت روائحها إلى البحر.
والسؤال البسيط: من يُحاسَب؟
فالمواطن العادي يُحاسَب على خطأ في معاملة، وعلى تأخير في توقيع، وربما على سوء فهم. أما الأعطال التي تُغرق مناطق كاملة في مياه ملوثة، فتُحال إلى «لجنة تحقيق» تجتمع، ثم تتبخر، وتُغلق الملف بابتسامة دبلوماسية.
أما المياه الملوثة بعد تعطل المحطة فأين تذهب؟
هل تأخذ إجازة اضطرارية؟
أم تُحال مؤقتاً إلى البحر، ليقوم الجون المسكين بدور المصرف الاحتياطي؟ الخليج هنا ليس محيطاً مفتوحاً، بل حوض شبه مغلق، يتحرك ببطء، يحتفظ بأسراره وروائحه. وكل متر مكعب يُضخّ فيه بلا معالجة هو قسط جديد يُدفع من صحة البيئة البحرية ومن حق الناس في شاطئ نظيف.
لكن لا تقلقوا... الصورة الرسمية جميلة.
زيارة، تصريح مقتضب، كاميرات، وعد بالإصلاح «في أسرع وقت». ثم يعود الصمت.
لولا زيارة رئيس مجلس الوزراء، لربما ظل العطل شأناً داخلياً بين المضخات المعطلة والأنابيب المتعبة.
والصحافة؟
مشغولة بمانشيتات «استقبل... وودّع... ووجّه... وحثّ...».
أما الأسئلة الثقيلة ذات الرائحة الصعبة، فمكانها الهامش — إن كُتب لها أن تُنشر أصلاً.
وبما أننا فتحنا صنبور الأسئلة فلنمرّ على مطار الكويت الجديد.
كم سنة مرت؟ كم وزيراً تعاقب؟ كم موعد افتتاح «نهائي» أُعلن ثم أُعيدت جدولته؟
المطار يبدو كقصة لا تريد أن تنتهي، كلما اقتربنا من الخاتمة أضيف فصل جديد بعنوان «تمديد أخير».
من المسؤول؟
الموظف؟
الشركة المنفذة؟
الاستشاري؟
الروتين؟
أم ذلك الكائن الأسطوري الذي نعلّق عليه كل شيء: «البيروقراطية»؟
الحقيقة أبسط وأثقل:
حين تغيب الشفافية، وتضعف المحاسبة، ويتساوى الإهمال مع الاجتهاد، تصبح المشاريع الكبرى رهينة المزاج الإداري. تتأخر بلا ثمن حقيقي، وتتعطل بلا اعتذار صريح.
لكن لا بأس... الأمور ماشية على البركة.
والمياه تمشي...
والمواعيد تمشي...
والتقارير تمشي...
فقط الإجابات لا تمشي.
وخاموش يا ناس.