هنري بركات... صيّاد اللؤلؤ وشيخ المخرجين العرب

نشر في 24-02-2026
آخر تحديث 23-02-2026 | 15:24
ترك المخرج هنري بركات بصمة سينمائية متفردة، وقدم أكثر من 100 فيلم سينمائي، تراوحت بين الاجتماعي والسياسي والرومانسي والغنائي، وتنوع عطاؤه بين الإخراج والإنتاج وكتابة السيناريو، وتعاون مع أجيال من نجوم التمثيل، منهم عمر الشريف وفاتن حمامة واكتشف السندريلا سعاد حسني والمطرب محرم فؤاد في فيلم «حسن ونعيمة» (1959)، وله الفضل مع بعض زملائه في انطلاقها إلى آفاق العالمية، ورحل شيخ المخرجين العرب عن عالمنا يوم 23 فبراير 1997، عن عمر ناهز 83 عاماً، ولا يزال إبداعه حاضراً في ذاكرة عشاق الفن السابع. اعتمدت السينما المصرية في بدايتها على مخرجين من أصول أجنبية، مثل توجو مزراحي والأخوين بدر وإبراهيم لاما وليوناردو دي ميتشيل، وظهر جيل الرواد من المخرجين المصريين، منهم محمد كريم وكمال سليم، ويُعد هنري بركات من مخرجي الموجة الثانية، وحقق حضوراً لافتاً مع زملائه يوسف شاهين وحسن الإمام وكمال الشيخ وصلاح أبوسيف وحلمي رفلة وعاطف سالم وغيرهم.

بدأ المخرج هنري بركات مشواره الفني، بإخراج 3 أفلام عام 1942، أولها «الشريد» وقام ببطولته آسيا داغر وحسين رياض وزوزو نبيل وزكي رستم، وتدور أحداثه في إطار رومانسي، ويعتبر ذلك الشريط السينمائي نقطة انطلاق مهمة في مسيرته، ومولد مخرج موهوب، أثرى الشاشة البيضاء على مدى 51 عاماً.

وفي العام ذاته أخرج بركات فيلم «المتهم» بطولة وإنتاج آسيا داغر وفردوس محمد وعبدالعزيز خليل، ودارت أحداثه في إطار ميلودرامي، وقدم أول أفلامه الكوميدية «لو كنت غني» بطولة علي الكسار وفاطمة رشدي وإسماعيل ياسين وحسن فايق.

وتتابعت رحلة بركات في سينما الأربعينيات، وقدم 9 أفلام أخرى، منها «القلب له واحد» (1945)، وشهد هذا الفيلم أول ظهور سينمائي للمطربة صباح، وفي العام نفسه أسند إلى الشحرورة بطولة «هذا جناه أبي» مع آسيا وزكي رستم وسراج منير ووداد حمدي، وأخرج لصباح أفلاماً أخرى، منها «الآنسة ماما» (1950)، وشارك في بطولته المطرب محمد فوزي.

ومنذ بداياته لم يقتصر اهتمام بركات على الإخراج فقط، بل تنبه مبكراً لعنصر المونتاج ودراسة فن السيناريو، وانعكس ذلك على عمله كمخرج، واهتم بكل التفاصيل من أداء الممثلين والإضاءة وزوايا التصوير والأكسسوارات والمناظر والملابس والماكياج، وظهر ذلك جلياً في مجمل أفلامه الأبيض والأسود والملوّنة.

المنتجة آسيا تغامر باكتشاف موهبته في «الشريد والمتهمة»

«صياد اللؤلؤ»

خرج بركات من تجربته السينمائية الأولى بدروس مستفادة، وبرزت مفارقة بين التزامه بكل ما يتطلبه العمل السينمائي من احترافية وتقنيات واحترام السيناريو، بينما فوجئ بالجمهور يضحك في صالة العرض، رغم النهاية المأساوية للبطلة، مما جعله يسأل عن السبب، وكانت الإجابة واحدة: «ضحكنا لأنها تستحق الموت»، وهنا أدرك الأهمية القصوى للجمهور، وظل يتذكر هذا الموقف طوال رحلته الفنية.

وتحوّلت تلك النصيحة الذاتية إلى ميثاق شرف بينه وبين جمهور السينما، حسبما ذكر في لقاء تلفزيوني قديم: «نعم الجمهور قال لي أنا هنا، والتزمت بعد ذلك لأضعه في مقدمة أولوياتي».

الشحرورة صباح تمثل وتغني لأول مرة في فيلمين من إخراجه    

معادلة صعبة

واستطاع المخرج المتألق أن يحقق المعادلة الصعبة بين جودة العمل الفني ووصوله بأسلوب شائق إلى المشاهد في صالة العرض، وحرص على اختيار قصص وروايات تتماس مع المجتمع المصري وتناقش قضاياه ومشكلاته، وتتعرض أيضاً لقضايا المرأة، وتتوغل داخل البيت المصري، سواء في الريف أو المدينة، ما منحه ألقاب «صيّاد اللؤلؤ» و«شيخ المخرجين العرب» و«محامي المرأة والفلاحين» و«شاعر السينما المصرية».  

النجمة فاتن حمامة تبكي على كتفه بعد الاحتفاء بفيلم «الحرام»

طريق الفن 

وُلِد هنري أنطوان عبدالله بركات في حي شبرا بالقاهرة يوم 11 يونيو عام 1914 لأسرة مصرية عاشت فترة في الشام، ثم عادت إلى مصر مجدداً، وتعلّق بالسينما منذ طفولته، وظل طريق أحلامه الفنية مغلقاً حتى حصل على ليسانس الحقوق، وبعدها سافر إلى باريس ليدرس الإخراج السينمائي، وبدلاً من الالتحاق بمعهد للسينما توجه مباشرة إلى الاستديوهات، واكتسب خبرات مهنية مختلفة على يد فنانين وفنيين محترفين، وعاد إلى مصر وبدأ رحلته الفنية الطويلة.

أدت المصادفة دورها في حياة بركات، ومنحته فرصة العمر، بعد أن عمل فترة مساعد مخرج للفنان استيفان روستي، وكانت الفنانة والمنتجه آسيا داغر تبحث عن مخرج يخرج لها فيلماً جديداً، بعد أن تركها المخرج أحمد جلال، الذي تزوج من ابنة شقيقتها الفنانة ماري كويني وانشغلا معاً في تكوين شركه سينمائية، فاتجهت آسيا نحو مغامرة جريئة، ودفعت بالمخرج الشاب للوقوف خلف الكاميرا، وظهرت موهبته في قيادة العمل بمهارة فائقة، وحقق الفيلم نجاحاً مُرضياً للمنتجة، فأسندت إليه إخراج «المتهمة» وقامت ببطولته، ونال الفيلم إعجاب النقاد والجمهور، وكتبت الصحف عن مولد نجم جديد في عالم الإخراج السينمائي.

واستمر التعاون بين آسيا وبركات في أفلام أخرى، وأنتجت له «القلب له واحد» (1945)، و«العقاب» (1948)، و«معلش يا زهر» و«أمير الانتقام» (1950)»، وكما غامرت رائدة الإنتاج السينمائي بتقديم موهبة كبيرة في عالم الإخراج، أسهمت في نجاح مخرجين آخرين أثروا الشاشة الفضية بأعمالهم، منهم عزالدين ذوالفقار في «رد قلبي» (1957)، ويوسف شاهين في «الناصر صلاح الدين» (1963).

«حسن ونعيمة» يكتشف السندريلا سعاد حسني ومحرم فؤاد

رسالة غرام

صُنِفت أفلام بركات كعلامات بارزة في تاريخ السينما المصرية، ويُعد بعضها من الكلاسيكيات ذات البُعد الجمالي والفكري، وتعاون خلالها مع عدد كبير من نجوم أجيال مختلفة، فقدم 10 أفلام مع الموسيقار فريد الأطرش، منها «حبيب العمر» (1947)، و«عفريتة هانم» (1949)، و«رسالة غرام» (1954)، وكان آخر لقاء فني بينهما في فيلم «نغم في حياتي» (1975)، وشارك في بطولته ميرفت أمين وحسين فهمي وليلى كرم وعدلي كاسب.

وأخرج بركات 3 أفلام للمطرب عبدالحليم حافظ، هي «أيام وليالي» (1955)، وشارك في بطولته أحمد رمزي وإيمان، و«موعد غرام» (1956)، بطولة فاتن حمامة ورشدي أباظة وزهرة العلا وعماد حمدي، و«بنات اليوم» (1957)، بطولة ماجدة وسراج منير وآمال فريد وكريمان، كما اكتشف السندريلا سعاد حسني والمطرب محرم فؤاد في فيلم «حسن ونعيمة» (1959).

الخيط الرفيع

وحقّق بركات رقماً قياسياً، بتعاونه مع النجمة فاتن حمامة في 18 فيلماً، من أبرزها «دعاء الكروان» (1959) عن قصة للدكتور طه حسين، وشارك في بطولته أحمد مظهر وزهرة العلا وأمينة رزق، وفيلم «الباب المفتوح» (1963)، قصة الكاتبة لطيفة الزيات، وبطولة محمود مرسي وحسن يوسف وصالح سليم وشويكار، وفيلم «الحرام» (1965) قصة الأديب يوسف إدريس، وشارك في بطولته عبدالله غيث وزكي رستم، و«الخيط الرفيع» (1971) قصة الأديب إحسان عبدالقدوس، وبطولة محمود ياسين وصلاح نظمي، و«ليلة القبض على فاطمة» (1984) قصة الأديبة سكينة فؤاد، وشارك في بطولته شكري سرحان وصلاح قابيل ومحسن محيي الدين.

وفي أحد اللقاءات مع بركات تحدث عن تجربته مع فاتن حمامة، وتطرّق إلى فيلم «الحرام» بقوله: «حين عرض الفيلم في مهرجان مونبليه استقبلته الجماهير بتصفيق شديد، ما دفع فاتن حمامة إلى أن تسند رأسها على كتفي وتبكي من شدة التأثر».

«نغم في حياتي» ينهي رحلة أفلامه للموسيقار فريد الأطرش

السينما والسياسة

عبّر بركات عن اعتزازه ببعض أفلامه خلال مسيرته الفنية، ومنها فيلم «في بيتنا رجل» عام 1962، قصة إحسان عبدالقدوس وبطولة عمر الشريف ورشدي أباظة وزبيدة ثروت، وحقق نجاحاً كبيراً في دور العرض، ورغم مضمونه السياسي، فإنه ابتعد عن لغة الخطابة والجمل الحوارية الزاعقة، وتم تصوير معظم أحداثه داخل «لوكيشن» المنزل، ونقل بركات ببراعة مشاعر أسرة مصرية متوسطة لا علاقة لها بالسياسة وتمثّل الشعب المصري، لا سيما مع إضفاء أجواء شهر رمضان على مشاهد الفيلم.

وظل بركات يقف خلف الكاميرا، حتى بلغ الثمانين من العمر، ولم يفقد الشغف تجاه عشقه للسينما، وكان آخر أفلامه «تحقيق مع مواطنة» عام 1993، بطولة فاروق الفيشاوي وسهير رمزي، وبعد أ4 أعوام رحل شيخ المخرجين، تاركاً إرثاً إبداعياً لا يُمحى من ذاكرة السينما العربية.

مواقف طريفة مع شادية وكومبارس «أفواه وأرانب» 

تعرّض المخرج هنري بركات للعديد من المواقف الطريفة في كواليس أفلامه، وعكست روحه المرحة أثناء العمل، منها فيلم «أفواه وأرانب»، وذات يوم تطلّب أحد المشاهد أن تظهر سيدة حامل في القرية. وطلب من مساعده البحث عن سيدة حامل من أهل القرية لتحقيق المصداقية. وبعد بحث طويل، وجد المساعد سيدة حامل بالفعل، لكنها كانت في شهورها الأخيرة.
في يوم التصوير، فوجئ الجميع بأن السيدة بدأت تشعر بآلام المخاض، واضطروا لإيقاف التصوير على الفور وإسعافها. وبعد فترة قصيرة، علم بركات والممثلون أن السيدة أنجبت مولودها، فذهبوا لزيارتها وتهنئتها، وأطلق بركات على المولود اسم «أفواه» تيمناً باسم الفيلم.
وأثناء تصوير أحد الأفلام مع النجمة شادية، كان هناك مشهد عاطفي يتطلّب منها البكاء، ولكنها لم تستطِع، فاقترح عليها بركات أن تفكر في شيء حزين، وبعد عدة محاولات فاشلة، قال لها بركات مازحاً: «فكّري في أنني لن أقدم لك أي أفلام أخرى بعد هذا الفيلم»، فضحكت شادية، ثم فجأة بدأت بالبكاء، لكن ليس من الحزن، بل من شدة الضحك، فاستغل بركات هذه اللحظة، وعلى الفور صور المشهد قبل أن تعود للضحك. 
 

 

back to top