الدراما المصرية.. مسوخ مخيلة الصنّاع الجدد
إفراط في التسلية والترفيه وتفريط في الممكن والمحتمل
يرى المُعلم الأول ومؤسس علم المنطق الفيلسوف أرسطو أن الفن هو محاكاة إبداعية للواقع والفعل والحياة، وليس مجرد تقليد أعمى للواقع، بل تجسيد للممكن والمحتمل.
نظرياً، ومن خلال ٤ عناصر رئيسة متداخلة عند أرسطو، «التطهر، والتقمص الوجداني، والتثقيف العام، والتسلية والترفيه»، يساهم الفن (وخاصة التراجيديا) في التطهير النفسي عبر إثارة الشفقة والخوف. أما التقمص، فهو جوهر تجربة التلقي، حيث يتماهى المتفرج مع البطل، مما يؤدي إلى «التطهير» (Catharsis) وتحرير المشاعر. وتتجسد عناصره من خلال «الحبكة»، و«الشخصيات»، و«التفاعل» بين الممثلين والجمهور.
أما واقعياً، فأن مقتضيات الصناعة نفسها وخاصة في موسمها الرمضاني، قد تفرض «التفريط أو الإفراط» في أي من تلك العناصر، فنرى بعض التفريط في عناصر التطهر والتقمص الوجداني والتثقيف العام، في حين نرى إفراطاً في عنصر وحيد وهو التسلية والترفيه، لكن ما بين هذا وذاك، فإن الإفراط في هذا العنصر لا يعني بأي حال من الأحوال أن نفرط في شرطية المحاكاة للواقع والفعل والحياة، وأن تكون الدراما تجسيداً للممكن والمحتمل وليس تجسيداً لدراما سبق وعشناها في موسم سابق.
ذلك تماماً ما يحدث في معظم الدراما المصرية ومنذ أكثر من عقد من الزمان، فمع اعتزال جيل من الصنّاع، مخرجون ومؤلفون وممثلون وحتى منتجون، وظهور جيل جديد، لاحظ الجمهور بكل أطيافه ومستوياته، أن هذه الدراما لا تمثله، ولا تحاكي الواقع الذي يعرفه، إنما تقدم مجتمعاً آخر لا يعرفه، وتحاكي واقعاً لم يعشه يوماً، وبما يتعارض مع الدراما، اصطلاحاً، كفن يجسد حكاية من الحياة الإنسانية عبر ممثلين يؤدون حواراً وأفعالاً، تركز على الصراعات والعواطف، وتجمع بين الواقع والجد، وتعتبر وسيلة قوية لتشكيل الوعي الاجتماعي، التأثير في القيم، ونقل الثقافات، ولغوياً، كحكاية لجانب من الحياة الإنسانية، يعرضها ممثلون يقلّدون الأشخاص الأصليين في أفعالهم ولباسهم وغيره.
أما على الشاشات المصرية فأصبحنا في الغالب لا نرى إلا مسوخاً نسجتها مخيلة هؤلاء الصنّاع، لأنهم، ببساطة، لم يعرفوا المجتمع، ولم يحاكوا واقعه، ولم يجسدوا الممكن والمحتمل، وذلك بعدما أصبحت الدراما المعروضة على تلك الشاشات تقدم مجتمعاً مشوهاً عن ما هو عليه فعلياً، فلا الأغنياء يظهرون كما هم، ولا الفقراء. لا الأشرار كالأشرار ولا الطيبون كالطيبون، حتى تنميط النفس البشرية وصفاتها ودوافعها، أصبحت غير منطقية أو مُبررة.
هذه الإشكالية جعلت الجمهور أمام أعمال ميلودرامية بامتياز، تتشابه فيها كل العناصر من قصة وحبكة وأداء وأحداث، بل، وفي كثير من الأحيان، السيناريو والحوار. فهي تماماً أشكال درامية لا تراعي قوانين السبب والنتيجة وتبالغ في المشاعر وتركز على الحبكة المثيرة والمصممة لجذب المشاعر بقوة، على حساب تصوير الشخصية، والبناء الدرامي بشكل عام.
لم يفعل جيل الصنّاع السابق على هؤلاء، أكثر من مجرد تقديم المجتمع كما هو، حاكى واقعه وفعله وحياته، لأنه عايشه، بينما الجيل الحالي يبدو أنه تعرف على الواقع الذي يقدمه من دراما أخرى، فأصبح يكرر تجسيداً أعمى لواقع افتراضي بعيداً عن الممكن والمحتمل.
ربما هناك بعض الدراما الجيدة التي تجسد الواقع، وربما لا يفتقر الجيل الحالي من الصنّاع إلى قدر من الإبداع، وربما كانت مقتضيات الصناعة تفرض الإفراط أو التفريط، في أهم عناصر الدراما وشروطها، لكن ذلك، لا يعني، إطلاقاً، أن لا تعرف مجتمعك كما هو، أو على الأقل لا تجسد بعض فعله، لا يعني، إطلاقاً، أن لا تقدم ما هو ممكناً ومحتملاً.