وجهة نظر: 5 فبراير... اليوم الذي كسر مفهوم الاقتصاد
لا أعتقد أن يوم 5 فبراير الجاري سيمرّ مرور الكرام في التاريخ. في تزامن لافت بفارق لا يتجاوز 15 دقيقة، أطلقت أبرز شركتين في سباق الذكاء الاصطناعي - OpenAI وAnthropic - تحديثات جديدة لنماذجهما الأكثر تقدماً. لم يكن هذا مجرد تحديث تقني روتيني، بل كان إعلانًا عن مرحلة جديدة بالكامل.
ما يميّز هذين التحديثين أنهما يمثّلان نقلة نوعية حقيقية في هذا المجال. والعجيب في الأمر أن هذا التطور جاء من خلال ذكاء اصطناعي يُنشئ نسخًا متجددة من تلقاء نفسه، بتوجيه من الإنسان وبلا تدخّل بشري يُذكر.
النموذج الجديد من «أنثروبيك» أصبح قادراً على اكتشاف أكثر من 500 ثغرة أمنية في مكتبات برمجية مفتوحة المصدر من دون أن يُطلب منه ذلك. و«أوبن إيه آي» أعلنت أن نموذجها الجديد كان «فعّالاً في إنشاء نفسه» - أي أنه استُخدم في مراجعة وتصحيح برمجته الخاصة أثناء التطوير.
هذه النماذج أصبحت قادرة على أداء وظائف بأقصى حد من الدقة: الكتابة والصياغة الاحترافية، والتحليل المالي المعمّق، والتعليم التفاعلي، والبرمجة المعقّدة، والتحليلات المالية، بل وحتى الإنتاج والإخراج السينمائي.
بمعنى آخر: ما كنّا نخشى حدوثه في المستقبل... قد تحقّق.
في زمن ما قبل هذه الثورة بالذكاء الاصطناعي، كانت التكنولوجيا تتطور كل 18 شهراً، وفقاً لقانون مور الشهير. أما اليوم، فالتطور يحدث كل 7 أشهر، بل نزل في بعض المجالات إلى 4 أشهر فقط. هذا السباق المحموم ينتج تقنيات بسرعة لا يمكن لأي شخص أو مؤسسة أن تتأقلم معها.
الاقتصاد ينكسر
المعلوم في علم الاقتصاد أنه يقوم على فكرتين جوهريتين: الموارد الناضبة، والإنتاجية في وحدة من الزمن. أما المبدأ الأول، فنحن نقترب من عالم ستسوده الوفرة، عالم تتضاءل فيه فكرة الندرة التي بُني عليها علم الاقتصاد بأكمله. وأما المبدأ الثاني، الإنتاجية، فعلى سبيل المثال: الناتج المحلي الإجمالي يقيس ما تنتجه الدولة في السنة.
اليوم، أصبح الإنتاج في وحدة الزمن يتحرّك بسرعة غير مسبوقة، محدوداً فقط باستخدام الطاقة والقدرة التخزينية والحوسبية. هذا يعني أن نظرية الاقتصاد كما نعرفها قد تغيّرت بالكامل، وأصبح من الضروري إعادة النظر فيها جذرياً.
ولم تنجُ حتى الشركات المصنّعة والمطوّرة لهذه التقنية من تداعياتها، فقد شهدت القيمة السوقية لأكبر شركات التكنولوجيا تراجعاً حاداً في الأسابيع الأخيرة. ويُعزى ذلك إلى عاملين رئيسيين: المخاوف من الإفراط في الإنفاق غير المبرر، والتوقعات بتآكل هوامش الربح نتيجة استبدال الذكاء الاصطناعي للعملاء في العديد من البرمجيات التي كانت تتطلب في السابق رسوم اشتراك.
كنت أنوي أن أكتب مقالة عن الفقاعة مع بداية العام، لكنني تأخّرت. وأصبح الموضوع اليوم أكبر من مجرد فقاعة سوقية. أصبحنا بحاجة إلى إعادة النظر في معنى الاقتصاد والمال والإنتاج ذاته.
المنتجات الرقمية التي كانت تُبنى في أشهُر أصبحت تُنجز في ساعات. التحليلات المالية التي كانت تتطلب فريقاً أصبح يقوم بها نموذج واحد. عرض «أنثروبيك» في يوم الإطلاق تضمّن تكليف 16 وكيلاً ذكياً ببناء مُترجم لغة برمجة كامل من الصفر - وقد نجحوا في ذلك بشكل متوازٍ ومنسّق دون تدخّل بشري.
لكن لا داعي للقلق، لا زلنا نحتاج إلى مصانع الحديد، وإلى نقل البضائع من مكان لآخر، وإلى الأيدي التي تبني وتصلح وتزرع. لكننا اليوم ذقنا طعم ما يمكن أن يكون عليه المستقبل. القلق غير مجدٍ، لأن ما حدث أصبح حتمياً ولا رجعة فيه. المطلوب هو أن نتعامل مع المعطيات فور حدوثها المتسارع، بعقلية مرنة ورؤية واضحة.
إن يوم 5 فبراير 2026 ليس مجرّد تاريخ أطلقت فيه شركتان منتجات جديدة. إنه اليوم الذي أثبت فيه الذكاء الاصطناعي أنه قادر على إعادة تعريف الإنتاجية بالكامل.