وجهة وطن:العلة بالشعب!
ينتشر في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي خطاب سيئ يُحمِّل المجتمع مسؤولية إخفاقات الإدارة العامة؛ خطاب يُدين الناس الذين لا يملك معظمهم القدرة أو السُّلطة على إحداث الخلل أو إصلاحه، أو حتى في بعض الأحيان نقده، بل يضعهم تحت طائلة الاتهام غير العادلة بطريقةٍ تختل فيها أوزان المسؤولية والسُّلطة والقدرة على التأثير. لو تحدثت، مثلاً، عن أزمة السكن في الكويت، التي تتفاقم عاماً تلو الآخر، فلن يُحدثك أصحاب نظرية تحميل المجتمع مسؤولية أي إخفاق في الخدمات العامة عن محدودية توفير الدولة لأراضٍ ومدن سكنية تستوعب شريحة مهمة تتجاوز 105 آلاف من منتظري الرعاية السكنية، بل سيسندون «نظريتهم» بأنهم يعرفون فلاناً الذي رفض السكن الحكومي في منطقة جديدة بعيدة لأنه يريد منزلاً بمنطقة داخلية قريبة.
عند أصحاب نظرية «العلة بالشعب»، فإن عجز الميزانية سببه الكويتي الكسول، الذي يريد كل المنافع من الدولة بلا جهد، ولن يحدثوك أبداً عن أسباب العجز الحقيقية، كتركُّز العمالة الوطنية في القطاع الحكومي بنسبة قياسية تجاوزت 85 في المئة، نتيجة مصاعب العمل الحُر، ومحدودية فُرص المبادرة، أو بسبب تصاعد مصروفات غير ضرورية في المناقصات والمشاريع والاستشارات والأوامر التغييرية، التي تعبِّر في معظمها عن ضعف كفاءة إدارة الاقتصاد والمالية العامة.
كما سيعرض عليك هؤلاء صورة «علبة حليب تموين» تُباع في إحدى أسواق الدول العربية كدليلٍ على اختلال منظومة الدعوم! في التعليم أو الصحة أو البيئة أو في أي منحى خدميٍ آخر، وصولاً إلى جودة الطُّرق أو الزحام المروري. سيبحث أصحاب هذا الخطاب عن الفئة الأقل وزناً في إحداث التأثير، سواء كانوا مواطنين أو وافدين أو عديمي الجنسية، لتحميلهم مسؤولية الخلل. أما كبار المسؤولين- وفقاً لهذا الخطاب السيئ- من ذوي الأوزان الكبيرة في الصلاحيات والاختصاصات الذين تتبعهم وزارات وهيئات ومؤسسات، فهم «مساكين» وضحايا للمجتمع الذي تسبَّب في كل ما سبق وما سيأتي من إخفاقات واختلالات.
المؤسف أن مَنْ يُروِّج لخطاب تحميل المجتمع مسؤولية إخفاق الإدارة العامة يُصنِّف نفسه، في الغالب، من النخبة الثقافية أو الأكاديمية أو الاقتصادية أو حتى الدينية... ولا أظن أن هناك نُخبة تتعالى على هموم الناس وتُحمِّلها عبء واقع لا تستطيع تغييره أو إصلاحه أو حتى نقده.