أنت أم عائلتك؟ *

نشر في 23-02-2026
آخر تحديث 22-02-2026 | 15:57
 خولة مطر

تتمايل عربتك ببطء فوق طريق يتعرَّج بين جبال الجنوب ليصل إلى الوادي. تسير بحذر وخوف مخبَّأ، ليس مما تراه حولك أو موقعك، بل من أن يتسرَّب الخوف من قلبك إلى قلوبهم، هم زوجتك وأبناؤك وبناتك. هم فرحون بالعودة إلى «الضيعة»، رغم أن بيتهم قد سُوي بالأرض، لكنهم موعودون بقضاء اليوم عند بيت أقاربهم والعودة حتماً إلى المدينة قبل حلول الظلام. 

ورغم أن المسيّرات لا تتوقف عند سماء أو بلدة أو مكانٍ محدَّد، بل هي قد استباحت كل الفضاء، من فلسطين، مروراً بلبنان وسورية، وقريباً إلى ما بعد بعد، لكن يبقى الجنوب فضاءً مفتوحاً لهم، أو هكذا يتصوَّرون. ألم تقم بعض شركات العقارات الصهيونية أخيراً بوضع خرائط لأراضٍ في جنوب لبنان معروضة للبيع للمستوطنين وغيرهم من الصهاينة؟ وكأنهم ضامنون أنها ستكون لهم، ربما هي وغيرها، أو هكذا يُخيل لهم! 

مع ضحكة ابنته الصغيرة وهي تُطالبه بالوقوف على الطريق للتصوير عند تلك البقعة، لتشارك بها صديقاتها على «إنستغرام»، لتقول لهن بكثيرٍ من الفخر، ربما، إنها لم تترك أرضها، إلا أنه يعترض، مدفوعاً بخوفه، ويعدها بذلك في طريق العودة، متحججاً بأن الأهل ينتظرونهم، وقد أعدوا لهم الغداء في منزلٍ هو الآخر لم ينجُ من آلة حربهم، لكن أهله قاموا ببعض الإصلاحات البسيطة، ليكون قابلاً للسكن مع صعوبة ذلك. 

بعد كثيرٍ من الأحضان والسلام يتحلقون جميعاً حول أكواب الشاي، وفجأة يدق هاتفه الجوال، حاملاً صوتاً يعلن أنه من «جيش الدفاع الإسرائيلي». نعم، الدفاع عن ماذا؟ ومن أي تهديد؟ والتاريخ منذ أكثر من 70 عاماً يشهد على مذابحهم وحرب إبادتهم واستباحتهم للأرض وما عليها على امتداد الجغرافيا العربية. 

بعد أن يستفيق من ومضة قصيرة من التساؤلات: «ماذا يريدون؟ وكيف عرفوا رقمي؟ وووو...»، يأتيه السؤال القاتل: «هل تريد أن تموت وحدك أم مع عائلتك؟». 

يُطرح السؤال ببساطة فيما ينتفض هو ويقف سريعاً، ليطلب من الجميع الخروج من المنزل: «يا الله، اخرجوا اخرجوا، واتركوني هنا». رده كان واضحاً: «أنا وحدي أنا!». 

بعد تفكيرٍ سريع وسط أصوات لا يستوعب ما تقوله، وكأنه يدخل في دائرة صمتٍ خاصة به، فهو لا يسمعها، لأنهم جميعاً يعلنون رفضهم لتركه يأخذ مفتاح سيارته ويجري سريعاً، وما إن يتحرَّك بها حتى يتجه إلى نقطةٍ مهجورة بالوادي، فتأتي المسيّرة التي كانت تطارده كما تطارد نوم وأحلام أهل الجنوب، لتقصفه، ويرحل وحده، كما قال لهم: «وحدي أنا وحدي».

لم يكتمل المشهد بعد وهم يلملمون حزنهم قبل أشلاء الأب، والزوج، والابن، والأخ. من بعيد تقترب طائرات حربية هذه المرة، وليست مسيّرة، كما ذكرت التقارير الإخبارية من داخل الكيان المُحتل. قامت برشّ مواد كيميائية تهدف إلى تسميم التربة، وتدمير خصوبتها. هي حرب إبادة على البشر والحجر والتاريخ، والبيئة أيضاً. ألم تهرب العصافير من سماء لبنان، كما لم يحدث مثل ذلك من قبل؟ 

تذكر إنغريد شاهين في مقالها المهم «شركات الموت في خدمة إسرائيل... كيف تصنع الإبادة البيئية؟»، أن «المواد الكيميائية شكَّلت عنصراً أساسياً من عناصر المنطق الاستيطاني- الاستعماري الصهيوني في المنطقة»، في لبنان وغزة وكل فلسطين، بل وحتى سورية، منذ سبعينيات القرن الماضي. وكل ذلك مدوَّن في تقارير لمنظمات الأمم المتحدة، وغيرها من المنظمات المختصة، وتُعد جرائم ضد الإنسانية، لكن مَنْ يهتم؟ فنحن هنا في عالم لا تشكِّل فيه حياة الفلسطيني أو اللبناني أو السوري أو غيره من مواطني دول المنطقة الأصليين، أي أهمية تُذكر، فهذا كان منطق المستعمر، وهكذا هو حتى اليوم منذ بدء التاريخ الاستعماري، إلا أن الصهاينة تفوقوا على مَنْ علموهم، بل زادوا عليهم.

* يُنَشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية

back to top