ترامب يرسم مساراً تجارياً جديداً بعد تقييد «الرسوم الجمركية»
تلقى ضربة قضائية قوية... والجدار الحمائي الذي بناه حول أكبر اقتصاد في العالم لن يعود كما كان
تعرّض الرئيس الأميركي دونالد ترامب لضربة قضائية قوية، بعدما أبطلت المحكمة العليا الجزء الأكبر من الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها، إلا أن ذلك لم يمنعه من مواصلة استخدام التعريفات كأداة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، فإن الجدار الحمائي الذي بناه حول أكبر اقتصاد في العالم لن يعود كما كان، كما أن قدرته على الرد السريع على التحولات الجيوسياسية باستخدام الرسوم أصبحت أكثر تقييداً.
وشن ترامب هجوماً لاذعاً على المحكمة العليا عقب حكمها التاريخي بأغلبية 6 مقابل 3، والذي ألغى العديد من الرسوم التي فرضها العام الماضي. وبعد ساعات فقط، أعلن فرض تعريفة عالمية جديدة بنسبة 10%، قبل أن يرفعها في اليوم التالي إلى 15%، متعهداً باستخدام صلاحيات أخرى للحفاظ على سياساته التجارية الحمائية، وفقا لتقرير نشرته وكالة بلومبرغ، واطلعت عليه «العربية Business».
لكن هذه البدائل تأتي مع قيود قانونية وإجراءات معقدة، ولن تمنحه الحرية نفسها لفرض رسوم عقابية سريعة على الدول الأوروبية المعارضة لخططه بشأن غرينلاند، أو على الدول التي تشتري النفط الإيراني، كما كان يفعل سابقاً.
وقال مايك فرومان، الممثل التجاري الأميركي الأسبق والرئيس الحالي لمجلس العلاقات الخارجية، إن التعريفة الجديدة محددة بـ150 يوماً فقط، مضيفاً أن ترامب سيضطر لاحقاً إلى اتخاذ قرار بشأن فرض رسوم جديدة قبل انتخابات التجديد النصفي، في وقت يرى الناخبون أن الرسوم تسهم في أزمة غلاء المعيشة.
ورغم الحكم، تتوقع الإدارة الأميركية بقاء معظم الاتفاقات التجارية التي أبرمها ترامب مع دول أخرى، ومنها اتفاق وُقّع هذا الأسبوع مع إندونيسيا. ويرى خبراء أن بعض الاقتصادات، مثل الاتحاد الأوروبي واليابان، قد تستفيد من الوضع الجديد بعد تفاوضها على اتفاقات برسوم تبلغ 15%، ما قد يحدّ من اعتراضها.
ومع ذلك، فإن الحكم جرّد ترامب من أحد أهم أدوات النفوذ التي يعتمد عليها في التفاوض مع قادة العالم والرؤساء التنفيذيين، بمن فيهم الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي من المقرر أن يلتقيه خلال أسابيع. ويرى خبراء أن القرار سيقيد قدرة ترامب على استخدام الرسوم الجمركية بسرعة لأهداف جيوسياسية، ما قد يؤدي إلى تحول جذري في نهجه التجاري أو في كيفية استجابة العالم له.
مرحلة جديدة من الغموض الاقتصادي
الاستراتيجية الجديدة قد تفتح فصلاً جديداً من عدم اليقين للاقتصادين الأميركي والعالمي، مع تداعيات محتملة على الشركات والمستهلكين والبنوك المركزية والاتفاقات التجارية القائمة، فضلاً عن المفاوضات الكبرى المرتقبة مع الصين.
وتصف الباحثة السياسية باربرا بيري هذه القضية بأنها جزء أساسي من رؤية «أميركا أولاً»، مؤكدة أن الرسوم الجمركية تمثل ركناً مهماً ليس فقط في السياسة الاقتصادية، بل أيضاً في الخطاب الشعبوي الأميركي.
ويضع الحكم المحكمة العليا ضمن سلسلة قرارات تاريخية قيّدت سلطات الرؤساء في السياسات الاقتصادية، على غرار منع الرئيس ترومان من تأميم صناعة الصلب خلال الحرب الكورية، والصدامات بين المحكمة والرئيس روزفلت بشأن «الصفقة الجديدة».
فرصة سياسية... ومأزق اقتصادي
من زاوية أخرى، قد يمنح الحكم ترامب مخرجاً سياسياً للتخفيف من بعض الرسوم غير الشعبية، خاصة مع تباطؤ الاقتصاد في الربع الرابع رغم طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ومع بيانات تظهر أن الرسوم لم تقلص العجز التجاري بشكل ملموس.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الناخبين يعتقدون أن الرسوم ترفع تكاليف المعيشة، ما دفع الإدارة إلى إعادة ضبط سياساتها لتقليل تأثيرها على أسعار السلع الأساسية مثل القهوة، والنظر في تعديلات إضافية.
حتى داخل الحزب الجمهوري، بدأت الانقسامات تظهر قبل الحكم، إذ صوّت مجلس النواب، الذي يسيطر عليه الجمهوريون في 11 فبراير، لإنهاء الرسوم على الواردات الكندية.
الشركات والأسواق... الاستقرار أهم من الرسوم
بالنسبة للشركات والأسواق المالية التي عانت تقلبات التجارة في 2025، يمثل الحكم عودة لحالة عدم اليقين التي دفعت العديد من الشركات إلى تأجيل الاستثمار والتوظيف.
وقال أوستن راميريز، الرئيس التنفيذي لشركة Husco International، إن شركته دفعت عشرات الملايين من الدولارات كرسوم العام الماضي، لكنه يرى أن عدم اليقين أسوأ من الرسوم نفسها، مؤكداً أن الاستقرار هو العامل الأهم لاتخاذ قرارات الاستثمار.
كما دعت مجموعات الأعمال حول العالم إلى وضوح أكبر في السياسات التجارية، محذرة من أن الشركات تحتاج إلى بيئة تجارية مستقرة يمكن التنبؤ بها.
بعد الحكم، أعلن ترامب أنه سيفرض رسوماً مؤقتة لمدة 150 يوماً بموجب قانون التجارة لعام 1974، مع إطلاق تحقيقات إضافية بموجب مواد قانونية أخرى تتيح فرض رسوم لأسباب تتعلق بالأمن القومي أو الممارسات التجارية غير العادلة.
ومن المرجح أن يؤدي هذا النهج الأكثر منهجية إلى تقليل المفاجآت التي شهدها العام الماضي، لكنه سيبقي حالة عدم اليقين قائمة بشأن توقيت ونطاق الرسوم الجديدة.
كما قد يعقّد التحول الجديد مهمة الاحتياطي الفدرالي في تقييم التضخم والنمو والتوظيف، خاصة في ظل الضغوط السياسية لخفض أسعار الفائدة.
قد يؤدي الحكم أيضاً إلى رد مليارات الدولارات للمستوردين الذين دفعوا الرسوم سابقاً، مع تقديرات تشير إلى إمكانية وصول المبالغ إلى 170 مليار دولار إذا تم ردها بالكامل، وهو ما قد يخلق تحديات قانونية وإدارية كبيرة. وفي الأمد القصير، قد تضخ هذه الأموال سيولة في الاقتصاد، لكن عملية الرد نفسها قد تكون معقدة وطويلة.
الرسوم باقية... لكن بشروط جديدة
ورغم القيود، يؤكد ترامب أن الرسوم الجمركية ستظل أداة مركزية في سياسته الاقتصادية والتجارية، سواء لزيادة الإيرادات أو إعادة التصنيع أو التفاوض على الصفقات التجارية.
لكن الطريق نحو إعادة بناء جدار الحماية الجمركي أصبح أكثر تعقيداً، ما يترك الشركاء التجاريين والشركات والمستهلكين في حالة ترقب لما ستؤول إليه المرحلة المقبلة.
ويختصر أحد التنفيذيين المشهد بقوله: الأعمال تحتاج إلى اليقين، وعندما يسود الغموض يتوقف الجميع عن اتخاذ القرار.
حكومات وشركات عالمية تقيِّم التداعيات
سارعت حكومات وشركات حول العالم إلى تقييم تداعيات قرار المحكمة العليا الأميركية، الذي أبطل بعض الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على نطاق عالمي.
وجاء هذا التطور الأخير في مسار الرسوم الأميركية المتقلب، الذي بدأ عندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض قبل 13 شهراً وقلب عشرات العلاقات التجارية مع أكبر اقتصاد في العالم، ليربك مسؤولي التجارة من سيول إلى أميركا الجنوبية وما بعدها.
ودعت وزارة التجارة الكورية الجنوبية إلى اجتماع طارئ لفهم المشهد الجديد، وفقاً لوكالة أسوشيتد برس.
وبعض الصادرات المحددة إلى الولايات المتحدة، مثل السيارات والصلب، لا يشملها قرار المحكمة العليا، أما الصادرات المتأثرة فمن المرجح أن تخضع لرسوم جديدة بنسبة 10 في المئة فرضت بموجب أمر تنفيذي وقعه ترامب الجمعة، وأعلن ترامب صباح السبت أنه سيرفع هذه النسبة إلى 15 في المئة.
وفي باريس، أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمبدأ الضوابط والتوازنات في الولايات المتحدة، مثنياً على «سيادة القانون» خلال زيارة لمعرض زراعي في باريس، قائلاً: «من الجيد أن تكون هناك سُلطات وسُلطات مضادة في الديموقراطيات. ينبغي الترحيب بذلك»، لكنه حذَّر في الوقت نفسه من أي شعور بالانتصار المفرط.
وكان مسؤولون يراجعون نصوص الاتفاقات الثنائية والمتعددة الأطراف التي أُبرمت مع الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة، فيما يستعدون لتقلبات جديدة.
وأضاف ماكرون: «ألاحظ أن الرئيس ترامب قال قبل ساعات إنه أعاد صياغة بعض الإجراءات لفرض رسوم جديدة، أكثر محدودية، لكنها تطبق على الجميع، لذا سننظر بدقة في النتائج الفعلية، وما الذي يمكن فعله، وسنتكيف معها».
اليابان: الرسوم «فوضى حقيقية»
وصف أحد المسؤولين البارزين في الحزب الليبرالي الديموقراطي الحاكم في اليابان الرسوم الجمركية الأميركية بأنها «فوضى حقيقية»، بعدما قام الرئيس الأميركي دونالد ترامب برفع الرسوم رداً على قرار المحكمة العليا الذي قضى بعدم قانونية الرسوم السابقة.
وقال إيتسونوري أونوديرا، وزير الدفاع السابق الذي يشغل حالياً منصب رئيس مجموعة بحثية عن الضرائب تابعة للحزب، اليوم، «بكل صراحة، إنها فوضى حقيقية».
واستبعد أونوديرا إمكانية أن تسعى اليابان من أجل إعادة التفاوض على الاتفاقية التجارية، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية «د ب أ»، وأشار إلى أن جوهر المفاوضات التجارية التي جرت العام الماضي كان خفض الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات، حيث إنها تعتبر أكبر مصدر للصادرات اليابانية، ومصدراً رئيسياً للوظائف والاستثمارات.
وأضاف أونوديرا: «بالنسبة لليابان، فقد كانت السيارات هي الأولوية العليا في هذا الوقت، لكن هذه الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات غير مشمولة بقرار المحكمة العليا هذا، ولن يكون من الجيد أن نبدأ بملاحظة تأثير ذلك لأننا نحاول إعادة التفاوض على الاتفاق».
دا سيلفا: لا نريد حرباً باردة جديدة
أعلن الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، اليوم، متوجها إلى دونالد ترامب من نيودلهي: «لا نريد حربا باردة جديدة»، داعيا الرئيس الأميركي إلى معاملة كل البلدان بالتساوي، بعدما فرض رسوما جمركية إضافية شاملة بنسبة 15% على واردات بلاده ردا على نكسة تلقاها من المحكمة العليا الأميركية.
وقال لولا للصحافيين في نيودلهي، خلال زيارة يقوم بها للهند، «أود أن أقول للرئيس الأميركي دونالد ترامب إننا لا نريد حربا باردة جديدة. لا نريد تدخلا في شؤون أي بلد آخر، نريد أن تُعامَل جميع البلدان بالتساوي»، مضيفا أنه لا يود التعليق على قرارات المحاكم العليا في الدول الأخرى، وأبدى تفاؤله بشأن زيارته المقررة لواشنطن الشهر المقبل، وفق وكالة فرانس برس.
واستدرك: «إنني على قناعة بأن العلاقات بين البرازيل والولايات المتحدة ستعود إلى طبيعتها بعد محادثاتنا»، مضيفا أن كل ما تريده بلاده هو «العيش بسلام وإنشاء وظائف وتحسين حياة شعبنا». وبعد أزمة استمرت عدة أشهر، تواصل لولا وترامب مرارا منذ لقاء رسمي أول جمعهما في أكتوبر.
وبعد هذا التقارب، أعفت الإدارة الأميركية العديد من المنتجات البرازيلية من الرسوم بنسبة 40% التي كانت واشنطن تفرضها، كما رفعت العقوبات التي كانت تستهدف قاضيا في المحكمة العليا البرازيلية أشرف على محاكمة الرئيس السابق جايير بولسونارو، حليف ترامب.
وقال لولا، الذي وصل الأربعاء إلى الهند للمشاركة في قمة حول الذكاء الاصطناعي، «العالم ليس بحاجة إلى المزيد من التقلبات، إنه بحاجة إلى سلام».
رئيس الوزراء ناريندرا مودي
مطالبات في الهند بتعليق اتفاق التجارة
حثت المعارضة الهندية حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي على تعليق اتفاقية التجارة المبرمة مع الولايات المتحدة وإعادة النظر في بنودها.
جاء هذا المطلب عقب قرار المحكمة العليا الأميركية، الصادر الجمعة، بإلغاء عدد من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب العام الماضي. وعلى اثر الحكم، أقر ترامب رسوماً جمركية عالمية بنسبة 10 في المئة على السلع الأجنبية.
وكانت الهند توصلت في وقت سابق من هذا الشهر إلى إطار عمل مؤقت خفض بموجبه ترامب الرسوم الجمركية على السلع الهندية من 25 إلى 18 في المئة، إضافة إلى إلغاء رسم عقابي إضافي بنسبة 25 في المئة.
وقال جايرام راميش- الأمين العام المكلف شؤون الاتصالات في حزب المؤتمر الوطني الهندي، أكبر أحزاب المعارضة، إن «قرار المحكمة العليا الأميركية الأخير بشأن الرسوم الجمركية يستدعي من حكومة الهند تعليق اتفاقية التجارة الهندية الأميركية». وأضاف أن «على نيودلهي إعادة التفاوض بشأن الاتفاقية».
من جانبه، ذكر أجاي ساهاي، المدير العام لاتحاد منظمات التصدير الهندية، أن الرسوم الجمركية المتبادلة تبدو غير قابلة للتطبيق بعد الآن.
وأضاف ساهاي: «وفق الحُكم، انتهت الرسوم المتبادلة، وأصبح المعدل الآن 10 في المئة على الجميع»، مع استثناء بعض القطاعات، مثل الأدوية والإلكترونيات. وتابع: «بذلك، أصبحنا جميعاً أمام ساحة تنافس متكافئة».
فرنسا: الاتحاد الأوروبي يمتلك أدوات للرد
أكدت فرنسا، عبر وزير تجارتها نيكولا فوريسييه، أن الاتحاد الأوروبي يمتلك الأدوات اللازمة للرد على الولايات المتحدة بسبب أحدث جولة من الرسوم الجمركية.
وأوضح فوريسييه لصحيفة فايننشال تايمز أمس أن باريس تجري محادثات مع نظرائها في الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية بشأن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية عالمية موحدة بنسبة 10%، وذلك بعد أن قضت المحكمة العليا الأميركية بأن العديد من الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على شركائه التجاريين غير قانونية، مؤكدا: «إذا لزم الأمر، فإن الاتحاد الأوروبي يمتلك الأدوات المناسبة».
وأشارت الصحيفة، نقلاً عن مسؤولين فرنسيين، إلى أن رد الاتحاد الأوروبي قد يشمل خيارات مثل «بازوكا التجارة»، وهي أداة لمكافحة الإكراه التجاري (ACI) يمكن أن تؤثر على شركات التكنولوجيا الأميركية.
ولفتت إلى أن لجنة المنافسة الأوروبية تتمتع بصلاحيات واسعة النطاق، تشمل مراقبة الصادرات وفرض الرسوم الجمركية على الخدمات، فضلاً عن استبعاد الشركات الأميركية من عقود التوريد مع الاتحاد الأوروبي.
حزمة رسوم انتقامية
وأضافت أن هناك حزمة من الرسوم الجمركية الانتقامية على سلع أميركية بقيمة تزيد على 90 مليار يورو، أي ما يعادل 106 مليارات دولار معلقة، ويمكن تطبيقها إذا لزم الأمر.