الشيطان (2)... لطف الكيد

نشر في 22-02-2026
آخر تحديث 22-02-2026 | 00:32
 حسين عبدالله

من أبلغ ما كُشف به هذا الوجه الخفي من كيد الشيطان ما جاء في وصية سيدنا علي بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - إذ يقول:

«إنه يأتي لك بلطف كيده، فيأمرك بما يعلم أنك قد ألفته من طاعةٍ لا تدعها، فتحسب أن ذلك ملكٌ كريم، وإنما هو شيطانٌ رجيم...».

يقترب برفقٍ ورقّة... متخفّياً في لطفٍ يشبه النصيحة، ممتلئاً بخداعٍ لا يُرى (يعرف ميل النفس إلى اليد الخفيّة، فنحن بطبعنا نندهش مما لا نرى مصدره، كما نندهش بخفّة يد الساحر)، ولا يأتيك بقوةٍ صريحة... بل يقودك خطوةً بعد خطوة، حتى تسير وراءه من حيث تظن أنك تمشي باختيارك.

وهنا يتجلّى معنى قوله تعالى: ﴿... لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ  وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. 

فالسقوط لا يكون دفعةً واحدة، بل خطوات صغيرة متتابعة. حتى إذا سكنت إليه، لبس عليك الأمر، فظننت وسوسته إلهاماً، وخطواته هداية، وتحسبه ملكاً من الملائكة. وما هو إلا تغذيةٌ خفيّة للغرور، تتزيّن لك باسم الدين، وهي أبعد ما تكون عنه.

فكم من اعتقادٍ نرفعه إلى مقام الدين... وهو في الحقيقة هوى متزيّن باسمه، كقسوةٍ نسمّيها غيرة، أو تكبّر يتخفّى باسم الثبات على الحق.

وكم من روايةٍ أو حكايةٍ ورثناها رفعت إلى مقام الدين... وهي في أصلها اجتهاد بشر، لا وحي منزل.

«فإذا سكنت إليه واطمأننت، حملك على العظائم المهلكة التي لا نجاة معها...». تأمّل دقّة التعبير، لم يقل: إذا سمعت له... بل قال: سكنت إليه، أي جعلت وسوسته موطناً، وألفت صوته حتى صار مألوفاً لا يُرتاب منه.

والاطمئنان هنا ليس طمأنينة القلب، بل راحة زائفة لمن يسلّم قيادته لغيره وهو يظن أنه مُلهَم.

فإذا استقرّ فيك هذا الأُنس الكاذب، لم يعد يوسوس فقط... بل يحملك. لا يجرّك جَرًّا ظاهراً، بل يقودك خطوة بعد خطوة حتى ينقلك من وهم الطاعة إلى العظائم المهلكة. والعظائم بمعنى المصائب المتراكمة، ونوائب مشددة، حتى يهلك الإنسان بنفسه وهو يحسب أنه يُحسن صنعاً.

ولهذا يكرّر القرآن هذا المعنى: ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ... فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ ﴾..

 «إن له فخاخاً ينصبها فاحذر أن يوقعك فيها... إن الأرض مملوءة من فخاخهم، فلا ينجو منها... وقد أعلمك اللّـه أنه لن ينجو منها إلا عباده...».

 ليست هجمة مفاجئة، بل مصائد تُنصَب. يتفرّغ لها، ويُحكم إعدادها ويترقّب لحظة الوقوع. وكأنّه يقول: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ..﴾ قعدةَ مترصّدٍ لا يملّ ولا ينسحب، والسقوط لا يحدث دفعةً واحدة، بل يبدأ خفيًّا: فكرةٌ تتزيّن... ثم ميلٌ خفيف... عادة... سيطرة... ضعف إرادة... حتى يجد الإنسان نفسه وقد أُمسك من حيث لا يشعر، إنها خريطة سقوط... لا حادثة عابرة.

ومع ذلك، فالنجاة ممكنة، لكنها ليست بالحيلة، بل بالانتماء الصادق إلى الله: «إِلّا عِبَادَه» وسنقف عندها لاحقاً.

وليس هذا كل كيده، فهو لا يكتفي باللطف والتزيين، بل ينتقل أحياناً إلى أسلوبٍ أشدّ حدّه.. (الاستفزاز).. وهذا حديث الجزء القادم.

back to top