من وحل الواقع

نشر في 22-02-2026
آخر تحديث 21-02-2026 | 15:34
 نادين الفقيه

يقول فريدريك نيتشه في كتاب «هكذا تكلم زرادشت»:

«من يُريد أن يظل نقياً بين البشر... عليهِ أن يعرف كيف يغتسل بالمياه القذرة أيضاً».

تتجلّى عبقرية نيتشه بالنظرة الواقعية التي يتمتع بها للحياة، وبفهمه العميق للطبيعة البشرية والتفاعل الاجتماعي. فبحسب ما يقول نيتشه، لا يمكننا النجاة من وحل الحياة ومصاعبها إلا إذا قمنا بالغوص في قذارتها، فالتعامل مع هذا المجتمع الملوث سيتطلب من الإنسان أن يتلوث أيضاً به، وبالتالي يجب على الإنسان أن يكون مستعداً للتعامل مع ذلك بكل قوة، ولكن مع المحافظة على نقاء نفسه. 

فالقوة الروحية والنفسية تتطلّب من الإنسان أن يوسخ أياديه ليحافظ على نظافة الداخل، وهذه مفارقة في حد ذاتها، فالحفاظ على الطهارة الأخلاقية والنقاء الشخصي في وسط مجتمع فاسد قد يتطلّب التعامل مع الأمور العصيبة والمواقف الفاسدة بكل عمق، وبمعنى آخر، لكي تظل نقياً وسط بيئة مليئة بالتحديات، يجب أن تكون مستعداً لمواجهة تلك الأمور الصعبة والتعامل معها بواقعية حتى لو كانت غير مريحة، وهذا يتطلب شجاعة وجلدا لتحمُّل التحديات، بالإضافة إلى القدرة على التأقلم مع الواقع مهما كان متسخاً، مع المحافظة على النقاء دون الانجراف في فساد النفس.

أما الاغتسال بالمياه القذرة فيرمز إلى التحديات والمواقف والتجارب الحياتية الصعبة والمريرة التي نواجهها، نيتشه يؤكد أن الشخص الذي يسعى للنقاء يجب أن يمرّ بهذه التجارب السيئة ويتعلم منها، لأنها جزء من الحياة الواقعية ولا مفر منها.. لذلك لا بُد من الاغتسال بالمياه القذرة!

وفي نهاية المطاف، هناك إشارة مهمة إلى أن النقاء المطلق غير ممكن في العالم الحقيقي، أما العزلة فليست الحل إطلاقاً، وبالتالي يجب على الإنسان أن يسعى إلى نقاء نسبي، يتطلّب التعامل بواقعية مع العيوب والمشاكل الموجودة في المجتمع، مع استخلاص دروس الحياة وفهم الحكمة من كل موقف يجد نفسه فيه، فالنقاء ليس النقاء الكلي، بل هو المحافظة على الجوهر، ويجب أن يتعلّم الانسان كيف يخرج من المواقف القذرة التي يتعرّض لها بشكل أنظف مما كان عليه، وبالتالي الاغتسال بالمياه القذرة إذا دعت الحاجة إلى ذلك. 

وفي حين لا يمكننا تجنّب أن نتلوث بالمياه القذرة، فإن النقاء الأخلاقي يتطلب قدراً من الوعي، بالإضافة إلى المثابرة على تنظيف أنفسنا من الداخل.

وفي كل الأحوال، فإن التعامل مع المياه القذرة يعتبر جزءا لا يتجزأ من رحلة النقاء الروحي والمحافظة عليه، ويجب أن نشرب من جميع «الكؤوس» لنتجنب العزلة التامة.

وإذا وضعنا مقارنة بين الروح وبين بئر مياه، فيمكننا أن نرى أهمية ذلك بوضوح، فكمية قليلة من المياه الملوثة ستقوم بتلويث بئر المياه النقية، ولكن بئر المياه الملوثة لن تصبح نظيفة فور قيامنا بإضافة مياه نقية إليها.. فالروح تصبح نقية عندما نقوم بإزالة القذارة منها، ومنع القذارة من أن تتسرب إليها من جديد.

back to top