الدكتور خالد الوسمي... صوت الأمة

نشر في 22-02-2026
آخر تحديث 21-02-2026 | 15:32
 ضاري المير

خالد الوسمي ليس سيرةً تُروى بهدوء، بل حالة صِدامٍ دائم مع كل ما هو ساكن ومُدجَّن. قوميٌّ حتى العظم، لكنه لم يفهم القومية بوصفها نشيداً عاطفياً، بل مشروعاً للتحرُّر والعدالة، يبدأ من الإنسان البسيط ويصل إلى الأمة. لذلك كان انتقاله من فضاء النضال المسلَّح في بداية حياته إلى ساحة العمل البرلماني امتداداً طبيعياً للمعركة نفسها، لا تبديلاً للجلد، ولا هروباً من المواجهة. وتعلَّم في تلك البدايات أن الفكرة التي لا تحمي الفقراء لا تستحق أن تُحمل، وأن البندقية التي لا تنحاز للعدالة الاجتماعية تتحوَّل إلى عبءٍ أخلاقي. تَشكَّل وعيه بأن المعركة ليست ضد استعمارٍ خارجي فقط، بل ضد كل بنيةٍ تنتج الظلم والتفاوت والتهميش. وحين دخل العمل البرلماني لم يدخل كموظف سياسة، بل كمناضلٍ نقل المتراس من الجبهة إلى القاعة. كان صوته في صف العُمَّال، في صف محدودي الدخل، في صف الذين لا يملكون «لوبيات» ولا منابر إعلامية. لم يكن نائب خدمات، بل نائب قضية. يرى في البرلمان ساحة اشتباك سياسي، لا منصة مجاملات. كان يُدرك أن الدفاع عن حقوق العمال ليس مطلباً نقابياً ضيقاً، بل جوهر المشروع القومي نفسه، لأن أمةً مسحوقة الطبقات لا يمكن أن تكون حُرة، ووطناً تُنهب ثرواته لا يمكن أن يكون سيداً. لذلك كانت مواقفه حادة، صادمة أحياناً، لأنها خرجت من قناعة أن التسويات الصغيرة خيانة للمشروع الكبير. لم يتصالح مع الفساد، ولم يدخل في تحالفات المصلحة، ولم يقبل أن يكون شاهد زور على إعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي تحت عناوين برَّاقة. ظل يحمل الروح القتالية نفسها، لكن بأدوات دستورية. نفس الانحياز للفقراء، نفس الإيمان بأن السياسة فعل تغيير لا إدارة أزمة. 

خالد الوسمي يمثل النموذج الذي يخشاه الجميع، والمناضل الذي لم يفقد لغته الأولى: لغة العدالة. هو ليس نائباً سابقاً في ذاكرة البرلمان، ولا مجرَّد اسم في سجل القوميين، بل تجربة تقول إن النضال واحد، وإن أشكاله تتغيَّر فقط. من البندقية إلى الموقف، ومن الجبهة إلى القاعة، ظل الرجل نفسه: صلباً، حاداً، منحازاً للناس. لهذا يبدو مختلفاً، لأنه لم يفصل يوماً بين القومية والعدالة الاجتماعية، ولا بين الوطن وحقوق عُمَّاله، ولا بين الفكرة والاستعداد لدفع ثمنها. تلك هي حكايته: مشروع ثوري دخل البرلمان من دون أن يخلع خوذته.

back to top