الشيطان (1)
مقدمة: قبل الحديث عن الشيطان ودوره، يبرز سؤال يتكرّر مع دخول شهر رمضان.
صحّ عن النبي ﷺ أن الشياطين تُصفَّد في هذا الشهر، وتفتح أبواب الرحمة، وينحسر كيد العدو.
ومع ذلك، لا تتوقف صور الفساد، ولا تخفت مظاهر الظلم، ولا تنقطع الأفعال التي لا توصف إلا بأنها شيطانية.
فمن أين تأتي هذه القسوة، إذا كانت الشياطين قد كُبّلت؟ ومن أين يتسرّب الظلم؟ وكيف تستمر بعض النفوس في الظلم والخداع كأن شيئاً لم يُقيَّد؟ ومن المتسلّط على من؟
لعلّ المسألة أعمق من وسوسة عابرة وأبعد من شيطان خفيّ يهمس، فلعلّ بعض الشياطين لا تُغلّ بالسلاسل، لأنها ليست من الجن، بل من الإنس.
إن كيد الشر لا ينحصر في شياطين الجن، بل إن شياطين الإنس باقون، غير مقيّدين، يتحرّكون بنواياهم الفاسدة، ويتسلّحون بالأهواء، ويمارسون الفعل نفسه... بلا وسوسة خفية، بل بإرادة واعية.
ومن هنا يبدأ الفهم الأعمق: حدود سلطان الشيطان، وحدود مسؤولية الإنسان، وأين ينتهي كيد العدو، وأين تبدأ النفس حين تصبح هي العدوّ الأقرب.
دور الشيطان ليس مفهوماً واحداً عند جميع الأديان، بل يختلف تصوّره باختلاف نظرة كل ديانة إلى الخير والشر، الثواب والعقاب، وإلى طبيعة العلاقة بين الإنسان وربّه.
ففي بعض التصوّرات القديمة، لم يكن الشيطان كياناً مستقلاً يقف في مواجهة الله سبحانه، بل كان أشبه بوظيفة أو أداة ضمن النظام الإلهي، لا صراع حقيقي، ولا مواجهة واضحة كما نفهمها اليوم.
وفي الإسلام، الشيطان عدوٌّ صريح، لا شريك في التدبير، يقف في الجهة المقابلة لطريق الهداية، ويزيّن الباطل للإنسان.
ومن هنا يصبح فهم الشيطان ليس مسألة قصصية أو غيبية فقط، بل مسألة نفسية وأخلاقية تمسّ حياتنا اليومية. لأن خطره الحقيقي لا يكون في المواجهة الظاهرة، بل في التزيين الخفي... حين يبدو الخطأ صواباً، والهوى حكمة، والكبر كرامة.
ومن هذه الزاوية تبدأ هذه السلسلة.
ففي الديانة الإسلامية لا تُورَّث الخطيئة، ولا يحمل إنسان ذنب غيره.
فليس في هذا الدين ظلٌّ لما يسمّى بالخطيئة الموروثة، ولا تنتقل تبعتها من إنسانٍ إلى آخر.
الشيطان لا يخلق الذنب فيك، ولا يعفيك منه، ولا يحمل عنك تبعته.
دوره أضعف من ذلك بكثير... هو يوسوس فقط، ويزيّن، ثم يتركك لقرارك.
فالمسؤولية هنا واضحة وصريحة: حيث تختار... تُحاسَب، فكل نفسٍ رهينة اختيارها.
ولهذا حين أخطأ سيدنا آدم عليه السلام وأمنا حواء، لم يلقيا باللوم على الشيطان، ولم يتذرّعا بوسوسته، بل اعترفا قائلين: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾.
فالشيطان وسوسةٌ لا إجبار، ومن استجاب له فبإرادته. ولهذا يتكرر المعنى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ﴾. أي أن طريقه لا يتجاوز التزيين... أما القرار، فدائماً للإنسان. ومع ذلك، فهو لا يأتي دائماً في صورة العدو، بل يقودك بلطف كيده، وذلك حديث الجزء القادم.