دراسة: تنظيم الطبخ المنزلي... مسار طبيعي لنشوء المشاريع الصغيرة
• تشكل مدخلاً لدعم القطاع الخاص وتعزيز العمل الحرّ وتخفيف الضغط عن الوظائف الحكومية
• التنظيم الفعال هو الذي يحقق التوازن بين متطلبات الرقابة وحرية المبادرة
• البحرين من دول الخليج الرائدة والسبّاقة في تنظيم النشاط
لنتصور حالة فرد يمتلك مهارةً في إعداد الأطعمة، وبدأ يزاول هذا النشاط من داخل منزله، معتمداً على إمكانات محدودة، ومستفيداً من الوسائل الرقمية الحديثة لعرض منتجاته وتسويقها.
ومع مرور الوقت، بدأ الطلب على منتجاته يزداد، واتسعت قاعدة عملائه؛ مما دفعه تدريجياً لتطوير نشاطه، وصولاً إلى افتتاح محل تجاري مستقل، والاستعانة بعمالة، وتحويل ما كان في بدايته نشاطاً منزلياً محدود النطاق إلى مشروع تجاري قائم. ولا يُعد هذا المسار استثناءً في الواقع العملي، بل يمثّل أحد المسارات الطبيعية لنشوء المشاريع الصغيرة، التي تبدأ بإمكانات فردية محدودة، ثم تتطور تدريجياً لتُصبح جزءاً من الاقتصاد الرسمي الخاضع للأطر التنظيمية والقانونية.
وعند النظر إلى هذا النموذج على نطاقٍ أوسع، يتضح أن هذه المشاريع لا تمثّل مجرد مبادرات فردية محدودة، بل تشكّل مدخلاً حقيقياً لدعم القطاع الخاص، وتعزيز ثقافة العمل الحر، وتخفيف الضغط عن الوظائف الحكومية، من خلال تمكين الأفراد من إنشاء مصادرِ دخلٍ مستقلة، والانخراط في النشاط الاقتصادي انخراطاً مباشراً. ومن هذا المنطلق، يثور تساؤل جوهري حول مدى الحاجة إلى تبنّي خطوات تنظيمية تمهيدية تتسم بالمرونة تحتضن هذا النوع من المشاريع، وتتناسب مع طبيعة هذا النشاط في مراحله التأسيسية، بما يتيح ممارسته من نطاق المسكن ضمن إطار قانوني واضح وفعّال، ويمهد لتطوره تطوراً تدريجياً نحو مشاريع تجاريةٍ مستقلة، بدلاً من إخضاعه منذ البداية لمتطلباتٍ تنظيمية صُممت أصلاً للأنشطة التجارية التقليدية. إن إخضاع هذا النشاط في بدايته لمثل هذه المتطلبات قد يؤدي إلى الحد من استمراريته، رغم كونه يمثّل في جوهره اللبنة الأولية لمشروع اقتصادي قابلٍ للنمو والتطور.
البدائل القانونية المتاحة حاليًا لمزاولة نشاط الطبخ المنزلي في الكويت
تفرض الأطر التنظيمية القائمة على الأفراد الراغبين في مزاولة هذا النشاط اللجوء إلى نماذج تشغيل تجارية متقدمة، تتمثل في استئجار المطابخ المركزية أو المطابخ السحابية. غير أن البيانات المتاحة تؤكد أن عدد المطابخ المركزية المرخصة في الكويت لا يزال محدوداً مقارنة بعدد الأفراد الراغبين في ممارسة هذا النشاط؛ الأمر الذي يُفضي إلى نشوء فجوة واضحة بين العرض والطلب. ولا تقتصر الإشكالية على محدودية القدرة الاستيعابية، وإنما تمتد إلى الأعباء المالية المرتبطة بهذا النموذج؛ إذ تتراوح تكاليف استئجار هذه المطابخ بين 250 و1000 دينار شهرياً، وهو ما يشكّل عبئاً مالياً كبيراً لا يتناسب مع طبيعة هذه المشاريع الناشئة. ويزداد هذا العبء بالنظر إلى أن نماذج التشغيل المرتبطة بالمطابخ السحابية تتباين في ذاتها، وقد يفرضُ بعض هذه النماذج التزاماتٍ ماليةً إضافية. هذا إضافة إلى أن الوصول لمرحلة الجاهزية التشغيلية الكاملة يستلزم استيفاء إجراءات ومتطلبات تنظيمية قد تمتد من 3 أشهر إلى 6.
نموذج للتوازن بين حرية النشاط وحماية المستهلك
تُعد مملكةُ البحرين من دول الخليج الرائدة والسباقة في تنظيم نشاط المشاريع المنزلية؛ إذ بادرت إلى إرساء إطارٍ قانوني واضح يتيح مزاولة هذا النشاط مزاولةً مشروعة، من خلال اعتماد نظام ترخيصٍ مرن يوازن بين متطلبات الرقابة القانونية وتشجيع المبادرات الفردية؛ بما أسهم في إدماج هذا النشاط ضمن الاقتصاد المنظم وتعزيز إسهامه في دعم ريادة الأعمال وتحقيق التنمية الاقتصادية.
وقد تجسد هذا التوجهُ التنظيمي في صدور قرار مجلس الوزراء رقم 39 لسنة 2010 بشأن تنظيم مزاولة النشاط الإنتاجي من المنزل (المنزل المنتِج)، الذي أقر مبدأ السماح ببعض الأنشطة الإنتاجية من محل السكن، ثم تعزز هذا الإطار بصدور قرار وزارة التنمية الاجتماعية رقم 19 لسنة 2011، الذي حدد تحديداً دقيقاً الأنشطة الإنتاجية الجائز مزاولتها من المنزل، والتي شملت صراحةً إعداد الأطعمة المنزلية وبيعها. ولم يقتصر الأمر على التنظيم التشريعي، وإنما امتد ليشمل تطوير آلياتٍ إجرائية ميسرة، من خلال إنشاء منصة «خطوة» بوصفها نظاماً إدارياً متكاملاً يتولى استقبال طلبات الترخيص وتنسيق الإجراءات مع الجهات المختصة، إذ يبدأ الفرد بتقديم الطلب إلكترونياً، وإرفاق المستندات المطلوبة، لتتولى الجهة المعنية مراجعة الطلب والتحقق من استيفاء الشروط واستكمال الموافقات اللازمة مع الجهات المختصة، وصولاً إلى إصدار ترخيص. وعليه؛ فإن عبء الإجراءات الإدارية لا يقع بالكامل على الفرد، إذ تتحمل الجهةُ التنظيمية عبء التنسيق المؤسسي.
وقد أتاح هذا التنظيم للأفراد ممارسة عددٍ من الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك إعداد الوجبات الغذائية وتحضيرها من داخل المسكن، شريطة التزام ضوابط تنظيمية تهدف إلى ضمان توافق النشاط مع الخصائص الوظيفية للبيئة السكنية، وبما لا يترتب عليه إحداث ضررٍ أو إزعاج بالمحيط السكني.
وفرض القرار رسماً سنوياً لإصدار الترخيص يبلغ 1020 ريالاً قطرياً (ما يعادل نحو 86 ديناراً)، وهو ما يعكس توجهاً تشريعياً نحو تمكين الأفراد من إدماج أنشطتهم المنزلية ضمن الإطار القانوني الرسمي، مع الحفاظ على مستوى منخفض من الأعباء المالية.
ويُلاحظ أن المقاربة القطرية لم تكتفِ بإقرار الترخيص من حيث المبدأ، بل طورت أدواتها التحفيزية لاحقاً لتعزيز الامتثال الفعلي. ففي عام 2024، أعلنت وزارة التجارة والصناعة خفض رسوم ترخيص أنشطة الأعمال المنزلية إلى 300 ريال قطري، في خطوة تستهدف - في جوهرها - إزالة العائق المالي الذي كان يدفع بعض الممارسين إلى مزاولة النشاط من دون ترخيص، ومن ثم توسيع قاعدة المشتغلين بالنشاط ضمن أُطر قانونية منظمة.
ويتصل هذا التخفيض اتصالاً مباشراً بالمنطق التنظيمي الوقائي؛ إذ إن الرسوم المخفضة ارتبطت - من زاوية التصنيف العملي - بطبيعة بعض أنشطة إعداد الأغذية ذات الخطورة المنخفضة (كالمنتجات الغذائية غير المعقدة أو غير سريعة التلف)، وهو ما يجسّد مقاربة تنظيمية مرنة تستهدف إدماج الأنشطة المنزلية غيرِ المرخصة ضمن المنظومة القانونية عبر إزالة العوائق المالية التي تحول دون تقنينها؛ بما يعزز الامتثال الطوعي ويوسّع نطاق الاقتصاد المنظم، مع الحفاظ في المقابل على رقابة تنظيمية متدرجة تتحدد شدتُها وفق مستوى المخاطر الصحية المرتبطة بطبيعة النشاط الغذائي.
وقد أقر الدليل حزمةً من الدعم والتأهيل والتدريب المقدمة عبر شركاء الدعم والرعاية؛ بما يُسهم في تطوير القدرات التسويقية للأسر المنتِجة، وتعزيز قدرتها على النفاذ إلى السوق.
وإضافة إلى ذلك، بيّن الدليل أن من أهداف التنظيم دعم الأسر المُنتجة وتمكينها اقتصاديًا، والإسهام في تحويلها من وحدات استهلاكية إلى وحدات إنتاجية قادرة على المنافسة محلياً ودولياً.
وتحقيقاً لذلك، أسندت مهمة تنظيم هذا النشاط إلى بنك التنمية الاجتماعية، من خلال إنشاء سجل خاص بالأُسر المنتجة دون رسوم، تُمنح بموجبه شهادة تسجيل تكون مدتُها 3 سنواتٍ قابلة للتجديد، وتُعد هذه الشهادة بمنزلة ترخيص نظامي يُجيز مزاولة النشاط المحدد، بما في ذلك داخل المسكن، مع إخضاعه لرقابة الجهات المختصة، والتزام الأُسر السماح بزيارات التفتيش للتحقق من امتثالِ الضوابطِ التنظيمية.
ويُلاحظ أن الدليل صنف مجموعةً من الأنشطة الإنتاجية المرتبطة بإعداد المنتجات الغذائية داخل المسكن، بما يعكس إقراراً تنظيمياً صريحاً بمشروعية هذا النمط من النشاط الاقتصادي.
وفي الإطار نفسه، اتجهت سلطنة عمان إلى تبنّي تنظيم قانوني صريح لمزاولة الأنشطة الإنتاجية من المنزل، وذلك بموجب قرار وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار رقم 473 لسنة 2022 بشأن لائحة تنظيم مزاولة الأعمال الإنتاجية المنزلية.
وعرفت المادةُ رقم 1 من القرار العمل الإنتاجي المنزلي بأنه: «مشروع صغير يُباشِرُهُ صاحبُه من محلِ إقامتِه، سواء أكان نشاطاً إنتاجياً خدمياً أو حرفياً أو اقتصادياً».
هذا ونصت المادة رقم 4 منه على أن تقديم طلب الترخيص يكون إِلكترونياً إلى الوزارة. وفيما يتعلق بمدة الترخيص، حددت المادة رقم 5 أن تكون مدة الترخيص 3 سنوات، مقابل رسم رمزي مقداره 3 ريالات عُمانية.
وقفة أخيرة
في نهاية المطاف، لا تُقاس فعالية التنظيم القانوني بمدى قدرته على تقييد النشاط، بل بمدى قدرته على استيعابه ضمن إطار قانوني متوازن يُتيح للأفراد ممارسة أنشطتهم ممارسة مشروعة، ويكفل في الوقت نفسه حماية المصلحة العامة. فالتنظيم الفعال هو الذي يحقق التوازن بين متطلبات الرقابة وحرية المبادرة، بما يعكس فهمًا واقعيًا لطبيعة النشاط، ويفتح أمامه مسارًا قانونيًا واضحًا يضمن استمراريته ضمن منظومة قانونية قائمة على التوازن، لا الإقصاء.
- السعودية تبنّت مقاربة تنظيمية واضحة لتقنين أنشطة الأسر المنتجة بإصدار الدليل الإجرائي للائحة تنظيم عمل الأسر المنتجة عام 2019
- سلطنة عمان اتجهت إلى تبنّي تنظيم قانوني صريح لمزاولة الأنشطة الإنتاجية من المنزل
- فعالية التنظيم القانوني لا تقاس بمدى قدرته على تقييد النشاط... بل بمدى قدرته على استيعابه ضمن إطار قانوني متوازن
- الدوحة نظمت مزاولة الأعمال التجارية في المنازل
- قطر لم تكتفِ بإقرار الترخيص من حيث المبدأ... بل طورت أدواتها التحفيزية لاحقًا لتعزيز الامتثال الفعلي
* أستاذة مساعدة في القانون التجاري كلية الحقوق/ جامعة الكويت
ومع مرور الوقت، بدأ الطلب على منتجاته يزداد، واتسعت قاعدة عملائه؛ مما دفعه تدريجياً لتطوير نشاطه، وصولاً إلى افتتاح محل تجاري مستقل، والاستعانة بعمالة، وتحويل ما كان في بدايته نشاطاً منزلياً محدود النطاق إلى مشروع تجاري قائم. ولا يُعد هذا المسار استثناءً في الواقع العملي، بل يمثّل أحد المسارات الطبيعية لنشوء المشاريع الصغيرة، التي تبدأ بإمكانات فردية محدودة، ثم تتطور تدريجياً لتُصبح جزءاً من الاقتصاد الرسمي الخاضع للأطر التنظيمية والقانونية.
وعند النظر إلى هذا النموذج على نطاقٍ أوسع، يتضح أن هذه المشاريع لا تمثّل مجرد مبادرات فردية محدودة، بل تشكّل مدخلاً حقيقياً لدعم القطاع الخاص، وتعزيز ثقافة العمل الحر، وتخفيف الضغط عن الوظائف الحكومية، من خلال تمكين الأفراد من إنشاء مصادرِ دخلٍ مستقلة، والانخراط في النشاط الاقتصادي انخراطاً مباشراً. ومن هذا المنطلق، يثور تساؤل جوهري حول مدى الحاجة إلى تبنّي خطوات تنظيمية تمهيدية تتسم بالمرونة تحتضن هذا النوع من المشاريع، وتتناسب مع طبيعة هذا النشاط في مراحله التأسيسية، بما يتيح ممارسته من نطاق المسكن ضمن إطار قانوني واضح وفعّال، ويمهد لتطوره تطوراً تدريجياً نحو مشاريع تجاريةٍ مستقلة، بدلاً من إخضاعه منذ البداية لمتطلباتٍ تنظيمية صُممت أصلاً للأنشطة التجارية التقليدية. إن إخضاع هذا النشاط في بدايته لمثل هذه المتطلبات قد يؤدي إلى الحد من استمراريته، رغم كونه يمثّل في جوهره اللبنة الأولية لمشروع اقتصادي قابلٍ للنمو والتطور.
البدائل القانونية المتاحة حاليًا لمزاولة نشاط الطبخ المنزلي في الكويت
تفرض الأطر التنظيمية القائمة على الأفراد الراغبين في مزاولة هذا النشاط اللجوء إلى نماذج تشغيل تجارية متقدمة، تتمثل في استئجار المطابخ المركزية أو المطابخ السحابية. غير أن البيانات المتاحة تؤكد أن عدد المطابخ المركزية المرخصة في الكويت لا يزال محدوداً مقارنة بعدد الأفراد الراغبين في ممارسة هذا النشاط؛ الأمر الذي يُفضي إلى نشوء فجوة واضحة بين العرض والطلب. ولا تقتصر الإشكالية على محدودية القدرة الاستيعابية، وإنما تمتد إلى الأعباء المالية المرتبطة بهذا النموذج؛ إذ تتراوح تكاليف استئجار هذه المطابخ بين 250 و1000 دينار شهرياً، وهو ما يشكّل عبئاً مالياً كبيراً لا يتناسب مع طبيعة هذه المشاريع الناشئة. ويزداد هذا العبء بالنظر إلى أن نماذج التشغيل المرتبطة بالمطابخ السحابية تتباين في ذاتها، وقد يفرضُ بعض هذه النماذج التزاماتٍ ماليةً إضافية. هذا إضافة إلى أن الوصول لمرحلة الجاهزية التشغيلية الكاملة يستلزم استيفاء إجراءات ومتطلبات تنظيمية قد تمتد من 3 أشهر إلى 6.
نموذج للتوازن بين حرية النشاط وحماية المستهلك
تُعد مملكةُ البحرين من دول الخليج الرائدة والسباقة في تنظيم نشاط المشاريع المنزلية؛ إذ بادرت إلى إرساء إطارٍ قانوني واضح يتيح مزاولة هذا النشاط مزاولةً مشروعة، من خلال اعتماد نظام ترخيصٍ مرن يوازن بين متطلبات الرقابة القانونية وتشجيع المبادرات الفردية؛ بما أسهم في إدماج هذا النشاط ضمن الاقتصاد المنظم وتعزيز إسهامه في دعم ريادة الأعمال وتحقيق التنمية الاقتصادية.
وقد تجسد هذا التوجهُ التنظيمي في صدور قرار مجلس الوزراء رقم 39 لسنة 2010 بشأن تنظيم مزاولة النشاط الإنتاجي من المنزل (المنزل المنتِج)، الذي أقر مبدأ السماح ببعض الأنشطة الإنتاجية من محل السكن، ثم تعزز هذا الإطار بصدور قرار وزارة التنمية الاجتماعية رقم 19 لسنة 2011، الذي حدد تحديداً دقيقاً الأنشطة الإنتاجية الجائز مزاولتها من المنزل، والتي شملت صراحةً إعداد الأطعمة المنزلية وبيعها. ولم يقتصر الأمر على التنظيم التشريعي، وإنما امتد ليشمل تطوير آلياتٍ إجرائية ميسرة، من خلال إنشاء منصة «خطوة» بوصفها نظاماً إدارياً متكاملاً يتولى استقبال طلبات الترخيص وتنسيق الإجراءات مع الجهات المختصة، إذ يبدأ الفرد بتقديم الطلب إلكترونياً، وإرفاق المستندات المطلوبة، لتتولى الجهة المعنية مراجعة الطلب والتحقق من استيفاء الشروط واستكمال الموافقات اللازمة مع الجهات المختصة، وصولاً إلى إصدار ترخيص. وعليه؛ فإن عبء الإجراءات الإدارية لا يقع بالكامل على الفرد، إذ تتحمل الجهةُ التنظيمية عبء التنسيق المؤسسي.
وانضمت دولة قطر إلى التوجه التنظيمي نفسِه بموجب قرار وزارة الاقتصاد والتجارة رقم 242 لسنة 2016 بشأن شروط وضوابط وإجراءات منح تراخيص مؤقتة لبعض الأماكن وأجزاء الأماكن التي تُزاول فيها أعمال تجارية أو صناعية أو عامة مماثلة، أو لمزاولة الأعمال التجارية في المنازل.إخضاع هذه الأنشطة لمتطلبات تنظيمية صُممت للأنشطة التجارية التقليدية يحدّ من استمراريتها
وقد أتاح هذا التنظيم للأفراد ممارسة عددٍ من الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك إعداد الوجبات الغذائية وتحضيرها من داخل المسكن، شريطة التزام ضوابط تنظيمية تهدف إلى ضمان توافق النشاط مع الخصائص الوظيفية للبيئة السكنية، وبما لا يترتب عليه إحداث ضررٍ أو إزعاج بالمحيط السكني.
وفرض القرار رسماً سنوياً لإصدار الترخيص يبلغ 1020 ريالاً قطرياً (ما يعادل نحو 86 ديناراً)، وهو ما يعكس توجهاً تشريعياً نحو تمكين الأفراد من إدماج أنشطتهم المنزلية ضمن الإطار القانوني الرسمي، مع الحفاظ على مستوى منخفض من الأعباء المالية.
ويُلاحظ أن المقاربة القطرية لم تكتفِ بإقرار الترخيص من حيث المبدأ، بل طورت أدواتها التحفيزية لاحقاً لتعزيز الامتثال الفعلي. ففي عام 2024، أعلنت وزارة التجارة والصناعة خفض رسوم ترخيص أنشطة الأعمال المنزلية إلى 300 ريال قطري، في خطوة تستهدف - في جوهرها - إزالة العائق المالي الذي كان يدفع بعض الممارسين إلى مزاولة النشاط من دون ترخيص، ومن ثم توسيع قاعدة المشتغلين بالنشاط ضمن أُطر قانونية منظمة.
ويتصل هذا التخفيض اتصالاً مباشراً بالمنطق التنظيمي الوقائي؛ إذ إن الرسوم المخفضة ارتبطت - من زاوية التصنيف العملي - بطبيعة بعض أنشطة إعداد الأغذية ذات الخطورة المنخفضة (كالمنتجات الغذائية غير المعقدة أو غير سريعة التلف)، وهو ما يجسّد مقاربة تنظيمية مرنة تستهدف إدماج الأنشطة المنزلية غيرِ المرخصة ضمن المنظومة القانونية عبر إزالة العوائق المالية التي تحول دون تقنينها؛ بما يعزز الامتثال الطوعي ويوسّع نطاق الاقتصاد المنظم، مع الحفاظ في المقابل على رقابة تنظيمية متدرجة تتحدد شدتُها وفق مستوى المخاطر الصحية المرتبطة بطبيعة النشاط الغذائي.
وفي السياق نفسه، تبنت المملكة العربية السعودية مقاربةً تنظيمية واضحة لتقنين أنشطة الأُسر المنتجة، وذلك بإصدار الدليل الإجرائي للائحة تنظيم عمل الأُسر المنتِجة عام 2019، الذي هدف إلى تفسير أحكام اللائحة المنظّمة وتصنيف الأنشطة التي تجوز ممارستُها داخل المسكن.تكاليف استئجار المطابخ تتراوح بين 250 و1000 دينار شهرياً ما يشكّل عبئاً مالياً لا يتناسب مع طبيعة المشاريع الناشئة
وقد أقر الدليل حزمةً من الدعم والتأهيل والتدريب المقدمة عبر شركاء الدعم والرعاية؛ بما يُسهم في تطوير القدرات التسويقية للأسر المنتِجة، وتعزيز قدرتها على النفاذ إلى السوق.
وإضافة إلى ذلك، بيّن الدليل أن من أهداف التنظيم دعم الأسر المُنتجة وتمكينها اقتصاديًا، والإسهام في تحويلها من وحدات استهلاكية إلى وحدات إنتاجية قادرة على المنافسة محلياً ودولياً.
وتحقيقاً لذلك، أسندت مهمة تنظيم هذا النشاط إلى بنك التنمية الاجتماعية، من خلال إنشاء سجل خاص بالأُسر المنتجة دون رسوم، تُمنح بموجبه شهادة تسجيل تكون مدتُها 3 سنواتٍ قابلة للتجديد، وتُعد هذه الشهادة بمنزلة ترخيص نظامي يُجيز مزاولة النشاط المحدد، بما في ذلك داخل المسكن، مع إخضاعه لرقابة الجهات المختصة، والتزام الأُسر السماح بزيارات التفتيش للتحقق من امتثالِ الضوابطِ التنظيمية.
ويُلاحظ أن الدليل صنف مجموعةً من الأنشطة الإنتاجية المرتبطة بإعداد المنتجات الغذائية داخل المسكن، بما يعكس إقراراً تنظيمياً صريحاً بمشروعية هذا النمط من النشاط الاقتصادي.
ومن الناحية الإجرائية، بيّن الدليل أن التسجيل يتم عبر البوابة الإِلِكترونية للأُسر المنتجة، من خلال تقديم الطلب، واستيفاء المتطلبات. وفي حال اجتياز التقويم، يُرسل رابط إصدار شهادة التسجيل عبر رسالة نصية يمكن لصاحب النشاط طباعتُها ووضعُها في مكان العمل، وهذا ما يُضفي على النشاط صفة المشروعية النظامية، ويؤكد خضوعه لإطار تنظيمي يجمع بين التيسير والرقابة الفعالة.عدد المطابخ المركزية المرخصة في الكويت لا يزال محدوداً مقارنة بعدد الراغبين في ممارسة النشاط
وفي الإطار نفسه، اتجهت سلطنة عمان إلى تبنّي تنظيم قانوني صريح لمزاولة الأنشطة الإنتاجية من المنزل، وذلك بموجب قرار وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار رقم 473 لسنة 2022 بشأن لائحة تنظيم مزاولة الأعمال الإنتاجية المنزلية.
وعرفت المادةُ رقم 1 من القرار العمل الإنتاجي المنزلي بأنه: «مشروع صغير يُباشِرُهُ صاحبُه من محلِ إقامتِه، سواء أكان نشاطاً إنتاجياً خدمياً أو حرفياً أو اقتصادياً».
هذا ونصت المادة رقم 4 منه على أن تقديم طلب الترخيص يكون إِلكترونياً إلى الوزارة. وفيما يتعلق بمدة الترخيص، حددت المادة رقم 5 أن تكون مدة الترخيص 3 سنوات، مقابل رسم رمزي مقداره 3 ريالات عُمانية.
وقفة أخيرة
في نهاية المطاف، لا تُقاس فعالية التنظيم القانوني بمدى قدرته على تقييد النشاط، بل بمدى قدرته على استيعابه ضمن إطار قانوني متوازن يُتيح للأفراد ممارسة أنشطتهم ممارسة مشروعة، ويكفل في الوقت نفسه حماية المصلحة العامة. فالتنظيم الفعال هو الذي يحقق التوازن بين متطلبات الرقابة وحرية المبادرة، بما يعكس فهمًا واقعيًا لطبيعة النشاط، ويفتح أمامه مسارًا قانونيًا واضحًا يضمن استمراريته ضمن منظومة قانونية قائمة على التوازن، لا الإقصاء.
- السعودية تبنّت مقاربة تنظيمية واضحة لتقنين أنشطة الأسر المنتجة بإصدار الدليل الإجرائي للائحة تنظيم عمل الأسر المنتجة عام 2019
- سلطنة عمان اتجهت إلى تبنّي تنظيم قانوني صريح لمزاولة الأنشطة الإنتاجية من المنزل
- فعالية التنظيم القانوني لا تقاس بمدى قدرته على تقييد النشاط... بل بمدى قدرته على استيعابه ضمن إطار قانوني متوازن
- الدوحة نظمت مزاولة الأعمال التجارية في المنازل
- قطر لم تكتفِ بإقرار الترخيص من حيث المبدأ... بل طورت أدواتها التحفيزية لاحقًا لتعزيز الامتثال الفعلي
* أستاذة مساعدة في القانون التجاري كلية الحقوق/ جامعة الكويت