بدأ التاريخ حين بدأت الكتابة: فاكتب... ففي الكتابة خلود
كم من أجيالٍ عاشت ثم اندثرت، ممتلئة بالأحلام والطموحات والخطط، وربما حملت بطولاتٍ عظيمة لم تُكتب، فغابت كما غاب أصحابها، لأن الحظ لم يمنحهم من يدوّن أسماءهم، ولا مَن عُمّر طويلاً لينقل حكاياتهم. الكتابة لا تحفظ التاريخ فقط، بل تحفظ الإنسان: كفاحه، بطولاته، ضعفه، وأحياناً أحزانه التي لا تجد صوتاً إلا في السطور. ومن يكون كافكا لولا كتاباته التي أنقذت من النسيان بوفاء صديقٍ بعد رحيله؟ كم من كافكا آخرين لم يجدوا رفيقاً يشبه رفيق كافكا، فاندثرت آثارهم، ومضت كتاباتهم وبطولاتهم دون شاهد... ودون خلود. الكتابة ليست مهارةً دراسية تُكتسب لمرحلة ثم تنتهي بانتهاء الفصول الدراسية، بل هي فعلُ وعيٍ ومقاومةٍ للنسيان.
هي محاولة الإنسان أن يترك أثراً قبل أن يمرّ عابراً في الزمن، أن يحفظ حكايته، وروحه، وبطولاته، وحتى خذلانه. في الكتابة تُنقل المشاعر لا كما قيلت، بل كما عيشت، وتُصاغ الفكرة لا لتُفهم فقط، بل لتُحسّ، وتُروى العِبرة كي لا تتكرر الأخطاء، وتُكتب الحكمة لأن الذاكرة وحدها لا تكفي لحملها.
الكتابة ليست ترفاً معرفياً، بل شكلٌ من أشكال الخلود. كم من كتابٍ نقرأه عن التاريخ، ثم يأتي الـجيل المعاصر واللاحق لينكره، لا لأن الحدث لم يقع، بل لأن الكتب روت ما لم يُشبه ما تناقله الشهود، وناقضت ذاكرة من عاش الحدث. وهل كل الحكايات التي تُكتب جديرةٌ بالتصديق؟ الكتابة سلاحٌ لا يُسيل الدم، لكنه قد يدمي النفس، وقد يكون دواءً يرمم الروح أو يعيد لها اتزانها.
فمن هو مؤرخ اليوم؟ وفي أي فصلٍ يكتب؟ ومن هم أولئك الذين يختار تخليدهم، ومن الذين يُقصيهم عمداً أو يتركهم للنسيان؟ ما ملامحه؟ أصادقٌ هو أم كاذب؟ أمينٌ على الحقيقة أم سارقٌ لها باسم السرد؟ ثم هناك الجانب الآخر من التاريخ... ذاك الذي لا يُكتب في الكتب، ولا تحمله الوثائق. من يرث جينات الأنبياء؟ من يرث جمال يوسف، وإيمان نوح، وصبر أيوب، وتفاؤل يعقوب، وقوة موسى، وملك سليمان، ورحمة محمد ﷺ؟ ربما... لم يكن الإرث قيماً وحدها تُحمَل بالكلمات، بل هو دمٌ ونسب، وتاريخٌ ممتد، وتوارثُ جيناتٍ تحمل في طياتها الأصالة والقوة. فكلما كان الجين عتيقاً، مشبعاً بالتجربة والصمود، كان الإرث أصدق، وأعمق جذوراً، وأقلَّ قابلية للتزييف. فالقيم قد تُكتسب، وقد تُدّعى، وقد تُكتب، لكن الجذور لا تُستعار.
«طيب الله البقاء وعمر الله الأثر»