عبودية السيميولوجيا... كيف تبيعنا «البراندات» أوهاماً لنشتري مكانة؟
عاش الإنسان منذ الأزل في عالم من الرموز، حيث تستمد الأشياء قيمتها من المعاني التي يخلعها البشر عليها بعيداً عن طبيعتها المادية المجردة. فاللون الأحمر في إشارة المرور يعني التوقف والأسود يجسد الحداد نتيجة اتفاقات اجتماعية أسبغت على الألوان دلالات تتجاوز حقيقتها الحسية. هذه المنظومة الثقافية التي تصنف القيمة والذوق، وتمنح المظاهر معانيها الخاصة، تمثل المادة الخام لعلم «السيميولوجيا» المعني برصد التلاحم العميق بين الأشياء والرسائل الصامتة التي تحملها.
دلالات الأشياء ومعانيها، المرتبطة بسياق الحياة وثقافات الشعوب واصطلاحات المجتمعات، انتقلت من عفويتها لتصبح في عصرنا الراهن نتاجاً يخضع لسياسات وقوانين «السيميولوجيا» التي تحدد الطريقة الأمثل لصياغة هذه المعاني وانتشارها بهدوء واحترافية تسويقية فائقة، حتى تتمكن من التغلغل في الوعي و تستقر في نفوس الناس وعقولهم كبديهيات حياتية ومسلمات راسخة تتجاوز النقاش.
بعد أن تنجح هذه المرحلة وتحقق نتائجها تتحول هذه الرموز المبتكرة إلى قوى خفية تسوق الفرد برغبته وإرادته نحو «عبودية السيميولوجيا» التي تجعل مكانته رهينة مقتنياته ومظهره العلني. وفي كنف هذه التبعية الصامتة، ينخرط الإنسان في سباق محموم لحيازة الرموز القادرة على منحه الاعتراف الاجتماعي، حيث يتصدر الشعار التجاري «الماركة» المشهد ليملي على الفرد ملامح الصورة التي يطل بها على العالم.
صناعة هذه المعاني هي منظومة متكاملة تقودها العلامات التجارية العالمية عبر بناء «أساطير» التراث والندرة، حيث تحول السعر المرتفع إلى «آلية فرز» تقصي الغالبية العظمى وتحدد مسبقاً ملامح النخبة القادرة على الاقتناء فيغدو السعر في هذه المنظومة هو المقياس الأول للقيمة، وبواسطته تقتنع النخبة بتبني المنتج كصك للتميز الموهوم وكعلامة فارقة على العلو الاجتماعي. تالياً، يتولى الإعلام تغليف هذا النموذج بصورة مغرية تجعل منه المعيار الوحيد للذوق الرفيع، مما يدفع الجمهور العريض لاقتناء السلعة رغبةً في الانتماء إلى «نادي الصفوة» والهروب من شبح التهميش الاجتماعي. وهكذا، تكتمل دائرة «العبودية السيميولوجية» وتتحول السلعة من مجرد أداة وظيفية إلى سيد يمنح الاعتراف أو يسحبه، بناءً على قدرة الفرد على دفع ثمن «الرمز». وهنا تصبح هذه العبودية الرمزية مرهقة حين تدفع أصحاب الدخل المتوسط الطامحين بالانتماء لنوادي النخبة لبذل جهود مضاعفة، والعمل لساعات أطول، وربما تحمّل أعباء ديون ثقيلة، في سبيل شراء «هوية» صممتها شركات كبرى.
التحرر من هذه العبودية يبدأ من امتلاك «جرأة نقدية» تعطي الأشياء حجمها الطبيعي وقيمتها الحقيقية، وتفك الارتباط الشرطي بين «الاقتناء» و»الهوية». وهذا يتطلب تركيز السؤال على ما يفعله الشيء لمنفعتنا الشخصية، بعيداً عما يقوله عنا للآخرين. كما تكمن المقاومة في اختيار الشيء لحاجته وجودته ومنفعته الحقيقية، والتحرر من هوس «الترند»، والإيمان بأن القيمة الشخصية الحقيقية تنبع من الفكر والأثر الداخلي، وتتعالى على الشعارات المطبوعة على الحقائب أو الساعات.
وبالخلاصة فإن الفخامة الحقيقية تظهر في ممارسة «القدرة على الاستغناء»، وفي استعادة الوعي لصياغة ذوق خاص بعيداً عن دلالات الشعارات، والتأكيد على أن الإنسان هو المصدر الحقيقي لقيمة الأشياء.