أعلامٌ ماتوا في سنّ الشباب
تخرّج د. محمد متولي في كلية دار العلوم بالقاهرة عام 2004، ثم نال درجة الماجستير عام 2009، قبل أن يحصل على الدكتوراه من ألمانيا سنة 2011؛ رحلة علمية واثقة، تُنبئ منذ بداياتها عن عقلٍ شغوف بالعلم، وقلمٍ لا يرضى بالقليل. كان لقائي الأول به على صفحات مجلة العربي؛ هناك تعرّفت إلى أديب شاب، متفرّد الذائقة، صافِي اللغة، يكتب وكأن «العربية» تأنَسُ إليه، ثم توطّدت الصلة عبر «فيسبوك»، حيث بدت دهشتي أكبر: سردٌ أخّاذ، ووفاء نادر، يستعيد فيه ذكريات أساتذته وزملائه ومعلّميه في مختلف مراحل التعليم، بامتنان لا يخفُت، ومودّة لا تتكلّف، ومن هنا لم يكن عجباً أن يلقّبه محبّوه بـ «ريحانة دار العلوم». في عام 2018، سطر على صفحته منشوراً لافتاً، حمل عنوان «أعلامٌ ماتوا في سنّ الشباب»، قال فيه: «خلال القراءة... على المدى البعيد... لاحظتُ أن كثيراً من الأسماء اللامعة في ميدان الثقافة والفكر والفن، وربّما السياسة، عند العرب والغربيين، في القديم والحديث، قد ماتوا في سنّ الشباب، في العقد الرابع من العمر أو قبله أو بعده، ورغم ذلك تركوا بصمات واضحة في جبين الإنسانية، أذكر منهم الآن بشكل عشوائي: أبوفراس الحمداني (35 سنة)، بديع الزمان الهمذاني (34 سنة)، عبدالله بن المقفّع (36 سنة)، بدر شاكر السيّاب (38 سنة)، فخري أبوالسعود (30 سنة)، إسماعيل أدهم (29 سنة)، ومؤكد أن هناك كثيرين غيرهم، وأعتقد أن الظاهرة بحاجة إلى إحصاء». تدفّقت التعليقات من أصدقائه ومتابعيه، فامتدّت القائمة، وكأنها سجلّ موازٍ للعمر القصير والأثر الباقي: سيبويه (36 سنة تقريباً)، طَرَفة بن العبد (26 عاماً)، أبوالقاسم الشابي (25 سنة)، الشيخ محمد صديق المنشاوي (نحو 47 عاماً)، أبوتمّام (37)، الإسكندر الأكبر (33)، الإمام النووي (45)، آرثر رامبو (20)، غسّان كنفاني (36)، صالح الشرنوبي (27)، المطربة أسمهان (31)، الرسّام الهولندي فان جوخ (37)، والممثل الأميركي جيمس دين (24). وأضافوا: الشاعر أمل دنقل، الزعيم مصطفى كامل، الفنان سيد درويش، عالِمة الذرّة د. سميرة موسى، الشاعر هاشم الرفاعي، إبراهيم طوقان، عبدالرحيم محمود، فرانتس كافكا، كريستوفر مارلو. وفي ساحة الشعر أيضاً: الهمشري، والشاعر الكويتي فهد العسكر. وهنا... قال القَدَر كلمته المدهشة! فقد شاءت إرادة الله أن يرحل د. محمد متولي نفسه في ديسمبر 2021، (عن عمرٍ لم يتجاوز 39 عاماً)، إثر حادث سير في سلطنة عُمان، أثناء مشاركته في فعالية الاحتفال بـ «اليوم العالمي للغة العربية»؛ كأن «العربية» التي أحبّها حتى آخر الطريق، كانت شاهدة وداعه.
***
وهكذا، حين نتأمّل هذه السلسلة المدهشة، لا يعود العمر مقياساً للحضور، ولا عدد السنين معياراً للخلود، فثمّة أرواح خُلقت وكأنها تعرف منذ البدء أن الوقت ضيّق، وأن الرسالة لا تحتمل الإطالة؛ تمرّ سريعاً، لكنها تترك في الوعي الإنساني أثراً أعمق من أعمار مديدة عاشت ومضت، لكن بلا صدى.