تقرير اقتصادي: غلاء «رمضان»... بين المطالبات الخاطئة والمعالجات القاصرة

• الوعي الاستهلاكي للفرد مطلوب... لكن العبرة بإجراءات الدولة وقراراتها

• الحل ليس بزيادة الرواتب بل في مواجهة التضخم بما يرفع كفاءة الأموال
• الكويت الأعلى تضخماً خليجياً... دون ضرائب ولا أسعار كهرباء ووقود أعلى!

نشر في 19-02-2026
آخر تحديث 18-02-2026 | 17:15
محمد البغلي
محمد البغلي
تتزايد هذه الأيام شكاوى المستهلكين في الكويت من تنامي غلاء الأسعار والضغوط التضخمية التي تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تكاليف السلع أو قيمتها مع قدوم شهر رمضان الفضيل، الذي تتنامى خلاله مصروفات الاستهلاك في مجمل الدول العربية والإسلامية.
وفي الحقيقة، فإن شكاوى غلاء الأسعار لا تختص بشهر معيّن، إنما ترتبط بمجمل أوجه الاستهلاك خلال العام، إلّا أنها تبرز عند المناسبات كشهر رمضان أو الأعياد الدينية أو حتى عودة المدارس، وغيرها، مما يلقي الضوء لا على الآثار والنتائج المالية والاستهلاكية، فضلاً عن الاجتماعية، فحسب، بل أيضاً على بعض المطالبات غير الصحيحة، الى جانب المعالجات القاصرة.

الأعلى تضخماً

 فبنظرة على واقع أسعار المستهلكين الذي يعبّر عن «التضخم» نجد أن الكويت سجلت خلال الأعوام الثلاثة الماضية (2023 - 2024 - 2025) أعلى مستوى، مقارنة بمعدلات التضخم في دول مجلس التعاون الخليجي، بناء على معلومات صندوق النقد الدولي ووحدة بحوث شركة كامكو الاستثمارية المدرجة في بورصة الكويت، كما أننا لو حللنا بيانات الإدارة المركزية للإحصاء منذ إعادة هيكلة المؤشر نهاية عام 2017 إلى آخر بيان رسمي للإدارة المركزية للإحصاء عن شهر ديسمبر 2025، حيث نجد أن التضخم في الكويت ما بين الفترتين - أي بحدود 8 سنوات - قد ارتفع بحدود 22.1 بالمئة، وغالبا ما تكون مجموعات الأغذية والملبوسات والسلع هي أساس ارتفاع التضخم.

لجنة مركزية لدراسة الأسعار والتضخم وسلاسل الإمداد شُكّلت 11 شهراً بعضوية 15 جهة... بلا نتائج!

قصور لافت

وهذه المستويات من التضخم، مقارنة بالمحيط الخليجي، تعبّر عن تناقض واقع الأسواق في المنطقة التي تطبّق بعضها سياسات ضريبة «المضافة - الانتقائية -الأعمال»، فضلاً عن ارتفاع أسعار الخدمات والسلع؛ مثل الكهرباء والمنتجات البترولية والبنزين، ومع ذلك تكون مستويات التضخم فيها أقل من الكويت؛ الأمر الذي يشير الى قصور لافت في سياسات حماية المستهلك؛ سواء كان مواطناً أو وافداً.

لجنة بلا نتائج

ودون التعمق في الاستعراض التاريخي لعدم فاعلية السياسات الحكومية في مواجهة التضخم ونتائجه المرتبطة بغلاء الأسعار وضعف جودة المنتجات، أو حتى كمياتها خلال سنوات أو عقود ماضية، فيكفي أن نشير إلى أن اللجنة المركزية لدراسة الأسعار ومراقبة التضخم وسلاسل الإمداد التي شُكلت في شهر مارس 2025 وضمّت في عضويتها 15 جهة حكومية وجمعيات واتحادات، كـ (التجارة والشؤون وجامعة الكويت واتحاد الجمعيات ومعهد الأبحاث وهيئة الغذاء والجمارك والإطفاء والشركة الكويتية للتموين وجهاز المنافسة وجمعية حماية المستهلك والإحصاء واتحاد منتجي الدواجن واتحاد موزعي المواد الاستهلاكية واتحاد المواد الغذائية)، لم تفضِ إلى نتائج أو قرارات واضحة ومعلنة، إذ واصلت المؤشرات التضخمية تصاعدها، كما كانت قبل تشكيل اللجنة أو بعد مرور 11 شهراً على تأسيسها.

التضخم في الكويت زاد خلال 8 سنوات 22.1% مع ارتفاع مجموعات الأغذية والملبوسات والسلع

مركزية وفرعية

ومع أن اختصاصات هذه «اللجنة المركزية» التي ينبثق عنها لجان فرعية (...) كانت ضخمة وواسعة، بل وصحيحة في أغلبها، لكونها تعلّقت بدراسة التضخم محلياً، ومتابعة سلاسل الإمداد، وتعزيز تنافسية السوق، ومكافحة الإغراق التجاري وحماية المنتج الوطني، وكذلك مراقبة وتحديد الأسعار في مختلف أسواق البلاد، فإن الإدارة العامة عوّدتنا على أن تحديد اختصاصات اللجان أمر غالباً لا خلاف عليه، وأن العلة في النتائج إن وُجدت أصلاً!

سلوك المستهلكين

ومع تأكيد أن سلوك المستهلكين في الكويت خلال الفترة الأخيرة قد شهد ضغوطاً متعددة اقتصادية أو اجتماعية أو أخرى مرتبطة بحالات عدم اليقين تجاه القرارات الحكومية، مما أدى إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي في البلاد عام 2025 بواقع 1.9 مليار دينار، أي ما يوازي 3.87 بالمئة، فإن التركيز يجب أن ينصبّ على التفريق بين المطالبات الشعبوية الخاطئة أو ذات الأثر المحدود السريع، وبين المعالجات المطلوبة القاصرة.
ومع أهمية وعي المستهلك بالإنفاق على السلع الضرورية والتوجه قدر الإمكان نحو الادخار، فإن هذا الوعي لا يتحقق أثره دون سياسات وإجراءات حكومية تصبّ في مصلحة كبح التضخم بطريقة مستدامة.

من واجب الدولة معالجة الأسباب الحقيقية للتضخم كالاحتكار والاستيراد وضعف جودة الخدمات الحكومية

ما الحل؟

وربما يتساءل البعض في مواجهة الغلاء؛ سواء في شهر رمضان أو حتى طوال العام: ما الحل؟
لا شك في أن المطالبات بزيادات مالية للرواتب، أو منح راتب إضافي في شهر رمضان، أو وقف استقطاع القروض أو إسقاطها، وغيرها من المقترحات الشعبوية هي في أفضل الأحوال مجرد مسكّن لعلة التضخم، خصوصاً أن متوسط الرواتب في الكويت (للقطاعين العام والخاص) من ضمن الأعلى عالمياً، إذ يبلغ المتوسط للمواطنين نحو 52 ألف دولار سنوياً، وللوافدين 14 ألفاً، وبالتالي، فالحل ليس في زيادة الراتب، بل بقيمته الشرائية وكفاءته في مواجهة الغلاء.

معالجات ومسؤوليات

وعليه، فإن المعالجات الصحيحة أو المطلوبة هي من جهة الإدارة، أي مؤسسات الدولة، بحيث تكون أكثر عمقاً واستدامة، لا سيما تجاه اختلالات الأسواق كاحتكارات السلع والأراضي وما يترتب عليهما من رفع مصطنع للإيجارات والتكاليف، فالأسعار، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة أن يتولى مجلس الوزراء مسؤولياته في إعداد قانون جديد لجهاز حماية المنافسة، بعد أن بات خارجاً عن «الخدمة»، نتيجة تعديلات تشريعية وأحكام دستورية.
كذلك من الضروري توطين الصناعات المحلية بما يخفّض من فاتورة الاستيراد والشحن والتخزين، فضلاً عن رفع جودة خدمات الدولة؛ كالسكن والتعليم، التي يتسبب تدهورها في مصروفات يفترض ألّا يتحملها المستهلك على شكل إيجارات مرتفعة أو مدارس خاصة ودروس خصوصية.

استدامة لا مسكّنات

صحيح أن السياسات الحكومية لو بدأت ستأخذ مدى زمنياً بالسنوات لنرى نتائجها، لكنها تظل صحيحة ومطلوبة، وتمثّل ما يُعد الحل الحقيقي والمستدام بلا شك، أفضل من مطالبات غير صحيحة مستمرة منذ نحو 20 عاماً لا تشكّل أكثر من مسكنات وقتية مع أثر ضاغط ومرتفع على الخزينة العامة.

 

back to top