تقرير محلي: بين عجز تاريخي وسباق عالمي... هل تملك الكويت رفاهية تأجيل بنى الذكاء الاصطناعي؟

نشر في 19-02-2026
آخر تحديث 18-02-2026 | 16:47
الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي

فتح مشروع الميزانية العامة الجديدة للسنة 2026-2027، البالغ 26.1 مليار دينار، لا سيما العجز المتوقع بـ 9.8 مليارات، تساؤلات عدة عما إذا كان بإمكان البلاد اللحاق بالركب الخليجي في إنشاء البنى التحتية الجديدة لعالم جديد تتبعه الأنظار، وتواكب الأخبار تطوراته المتسارعة، وما يطرأ عليه من تحديثات وطفرات لا يمكن وصفها إلا بمتغيرات مهيبة ورهيبة، على الأقل لمتتبع هذا العالم الجديد.

اليوم، تقود الدول الخليجية سباقاً مختلفاً في المنطقة، سباق ضخ مليارات الدولارات على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، لإنشاء مراكز بيانات عملاقة وحوسبة فائقة السرعة وبنى مصانع لعالم جديد، تؤهلها لاستقطاب كبرى الشركات العالمية لتأخذ موطئ قدم في بقعة جغرافية تعد حلقة وصل بين الشرق والغرب.

فما بين مشهد خليجي يتسارع فيه الاستثمار الرقمي وميزانية تتوسع فيها الفجوة المالية، يبرز سؤال في المشهد، خوفاً من تكرار مشهد حلمٍ تلاشى وغيره الكثير من المتغيرات المالية والعالمية، بعد أن تأخر تنفيذه لأكثر من عقدين من الزمن، وهو المركز المالي والتجاري الذي أُطلق منذ بدايات الألفية، والسؤال هنا: هل تستطيع الكويت تأجيل بناء بنية الذكاء الاصطناعي في لحظة تتسابق فيها المنطقة على امتلاكها؟

مشروع الميزانية، الذي يتضمن إيرادات مقدرة بنحو 16.3 مليار دينار، تمثل منها 78.6% إيرادات نفطية، و3.5 مليارات دينار إيرادات غير نفطية، رغم زيادتها، وهي زيادة نتيجة إقرار مرسوم 157 لسنة 2024 بشأن الضريبة على مجموعة الكيانات متعددة الجنسيات، التي قُدرت قيمتها بحسب الإعلانات بنحو 250 مليون دينار، يأتي سعر احتساب برميل النفط عند 57 دولاراً مقابل 90.5 دولاراً للسنة المالية الحالية التي تنتهي في مارس المقبل، أي خفض السعر بما يقارب 37% عن سعر الميزانية الماضية، وهذا يقود إلى أن الفجوة بين سعر «الافتراض» و«التعادل» مفتاح لفهم حساسية الإنفاق العام لأي تراجع في العوائد.

وبالحديث عن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، لا يصح التطرق إليه أو حتى مناقشته في ظل شح الكهرباء، وإن كانت هناك عدة مشاريع أُعلن تدشينها ويترقب دخولها إلى الخدمة في 2028-2029، وعلى افتراض أنه ستأتي مشاريع جادة للذكاء الاصطناعي مستقبلاً، لكن كي لا تتكرر عثرات الماضي، هل ما سيدخل الخدمة سيكون كافياً لذلك؟ ولا سيما في ظل التوسع المعماري للمدن السكنية ونحو أكثر من 50 ألف وحدة سكنية تنتظر إذن البناء خلال الأعوام القادمة.

حاجة الدول اليوم لبناء مراكز بيانات على أراضيها، خاصة بها، ليست ترفاً، بل تعدى ذلك وأصبحت مسألة أمن قومي وسيادي للدولة، فهي مصانع يُنتج فيها الذكاء الاصطناعي وتُشغَّل فيها، وتحتاج إلى طاقة كهربائية هائلة خالية من أي انقطاع. وعلى سبيل المثال، في «ستارغيت» الإمارات، وهو مركز للبيانات من عدة شركات، تُقدر القدرة الكهربائية بـ5 آلاف ميغاواط للمشروع، أي ما يعادل نحو 27% من إنتاج الطاقة القصوى في البلاد اليوم، دون أن نأخذ سياسة القطع المبرمج في الحسبان. وكذلك في السعودية، يحتل مشروع البنية التحتية باستثمارات ضخمة أُعلن عنها بنحو 100 مليار دولار، وخطة لإضافة 15 ألف ميغاواط من الطاقة الكهربائية.

وعلى الصعيد المحلي، ما زال غياب الإعلان يخيم على المشهد بعيداً عن مشاريع سبق أن أُعلن عنها، لكن لا أحجامها ولا منافستها ترقى إلى مشاريع دول المنطقة. الأمر أعمق من ذلك بكثير، فإذا ما قسنا استهلاك هذه المشاريع القائمة والتي سوف تُنشأ، لا يتجاوز استهلاكها 75 ميغاواط، مقابل استهلاك مشاريع خليجية لآلاف من الميغاواط، كفيلٌ بإظهار تباين حجم الفارق بين المشاريع.

ورغم إعلان عدد من الشركات الخاصة عدداً من المبادرات، بالإضافة إلى «نفط الكويت»، فإن هذا دليل آخر، وأحدث هذه المشاريع المتفرقة أثراً، لكنها لا يمكن وصفها بأنها برنامج وطني ممول في ميزانية مخصصة ومنظومة تشريعية وتنظيمية متكاملة.

الهاجس اليوم أنه رغم تواضع مشاريع البنية التحتية، فإن تكرار المشهد في التسويق لـ «مركز مالي وتجاري» حاضر، وهنا يبرز سؤال: هل يمكن تجاوز عجز الميزانية وتمويل المشاريع عبر صندوق سيادي كما قادت المملكة والإمارات؟

وإذا اختُزل المشهد في أرقام نهائية، فإن حصة الكويت من الإنفاق الرأسمالي الحكومي تُقدَّر بنحو 3 مليارات دينار، أي ما يعادل 10 مليارات دولار، وذلك تحت بند المصروفات الرأسمالية، بينما تبلغ حصة السعودية من استثمار الذكاء الاصطناعي وحده 100 مليار دولار، وحصة الإمارات نحو 148 مليار دولار.

وأخيراً، إن صح وصفنا، فالذكاء الاصطناعي آفةُ التاريخ اليوم، فليس الأمر تطبيقاً يضاف إلى جهاز في لحظة ليتم إطلاقه في وقتٍ قياسي، ويبقى السؤال، بعد أن أظهرت الأرقام، لم يعد «هل نريد؟»، بل أصبح: هل نستطيع التأجيل وسط السباق ابتداءً فعلاً؟!

back to top