وجهة نظر: روبرت كيوساكي... الفقاعة التي لا تنام

نشر في 19-02-2026
آخر تحديث 18-02-2026 | 16:08
 تامر عبدالعزيز

رغم أنه قدّم للحقل الاقتصادي عدة مؤلفات، فإن أول ما يُعرف به رائد الأعمال الأميركي روبرت كيوساكي، في التقارير الصحافية والنشرات الاقتصادية، أنه مؤلف كتاب «الأب الغني والأب الفقير»، ربما لأن ذلك الحقل يرى في الكتاب التأثير الأكبر في الثقافة المالية المعاصرة.

ففي صفحاته، رسم الفارق بين من يعمل للمال ومن يجعل المال يعمل له، وبين من يشتري الكماليات ومن يراكم الأصول. ومنذ صدوره عام 1997، بيعت من الكتاب ملايين من النسخ، وتُرجم إلى عشرات اللغات، ليصبح مرجعاً في التثقيف المالي الشعبي حول العالم.

إلّا أن المتابع لمؤلفات خبير التنمية البشرية الذي أصبح رائداً للأعمال، وبعد أن انتقل هذا الخبير الرائد من تعليم الناس «كيف يفكرون مثل الأغنياء» إلى التحذير من عالم يبني ثراءه على الديون والمضاربات، سيتعرّف إلى إجاباته عن أسباب ازدياد ثراء الأثرياء في مؤلفه المنشور في 2018: «لماذا يزداد الأثرياء ثراءً»؟

يقدم كيوساكي الإجابة عبر 4 محاور رئيسة، لسنا هنا في صدد استعراضها، لكننا في صدد استعراض المحور الذي لم يتطرّق له الكتاب، والذي يجيب، فعلياً، عن التساؤل الذي يطرحه، وهو أن الأثرياء يزدادون ثراءً لأنهم يفعلون مثل كيوساكي.

صحيح أن بعض نبوءات كيوساكي قد تحقق بالفعل، لكنها كلها نبوءات كانت في السياق المتوقع والقابل للتحقق، فلم يتفرّد، على سبيل المثال، بتوقعاته في عام 2020 بأن تتجاوز «بتكوين» 50 ألف دولار خلال عام واحد، ولا حتى توقعاته عن مسار الذهب والفضة مع موجات التضخم العالمية كانت تستدعي قدراً من العبقرية، لكن كانت تلك التوقعات ضرورية لتأسيس قاعدة أتباع يرون فيه ملهماً يوقظ ذكاء المال، ويرى فيهم وسيلته ليزداد ثراءً.

فالشاهد، أن الفترة الأخيرة كان فيها كيوساكي من أعلى الأصوات صخباً في السوق، كتب وحاضر وغرّد العديد من التوقعات والآراء التي تناقضت في مجملها عن أسعار الكثير من الأصول، حتى أن بعض التقارير الصحافية اتهمته بالخداع والاحتيال، وذلك حين أفصح عن بيع ما قيمته 2.25 مليون دولار من «بتكوين» في الوقت الذي نصح بشرائها، ورغم ما عُرف عنه من تأييده للعملة المشفرة ومحاربته للنقد والدولار على وجه الخصوص.

ورغم أنه برر ذلك بأنه جزء من استراتيجية طويلة الأمد، فإنه، منذ بداية العام الحالي، تناولت العديد من التقارير الصحافية تصريحات وتوقعات متناقضة للرجل عن أسعار الذهب والفضة تدعو إلى التساؤل حول أهدافه من وراء تلك التصريحات، أو على الأقل حول حنكته الاستثمارية.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، أبدى كيوساكي في 29 يناير الماضي ندمه على بيع الذهب، وأقر بأن ذلك كان خطأ منه، وصرح، في السياق نفسه، بأن الفضة هي المنقذ، لكنه بعد أيام غرّد: قد ينهار سعر الفضة، محذّراً مما وصفه بـ «ذروة الفضة»، عقب الارتفاعات القوية التي شهدها المعدن الأبيض، وأكد: سأشتري الفضة حتى مستوى 100 دولاراً!، وذلك قبل أن يتوقع في العاشر من الشهر الجاري ارتفاع سعرها إلى 200 دولار!

هل يبدو ذلك متسقاً مع تصريحه قبل 10 أشهر بأن الفضة أكثر قيمة من الذهب وبتكوين؟ ربما، لكن الملهِم كان قد توقّع قبلها بشهر ارتفاعاً صاروخياً للذهب إلى 30 ألف دولار، قبل أن يعدّل توقعاته عن المعدن في الشهر الماضي إلى 27 ألفاً! وبعدها يثير سخرية الأوساط الاستثمارية والمتابعين، بعد قفزة المعادن الأخيرة، لأنه تحوّل من الذهب والفضة إلى «بتكوين»، التي تراجع سعرها في شهر بنسبة 28 بالمئة!

مؤلفات اقتصادية عديدة، وشركة للتثقيف المالي باسم «الأب الغني» لتدريب الناس على إدارة المال والتخطيط المالي الذكي، وقاعدة أتباع، والكثير من التغريدات، والتصريحات، والصخب، كلها كانت أسباب كافية لتسميته «نذير الفقاعات الذي لا ينام»، لكن، منطقياً، فهذا الصخب وحده كان لا بُد أن يكون كفيلاً بأن يمنح كيوساكي لقب «الفقاعة التي لا تنام»، ربما لأنه يستخدم كل ذلك ليزداد ثراءً، أو ربما لأنه... لا ينام.

back to top