خرافة الإيمان بالعقل الإلكتروني الخلاق!

نشر في 18-02-2026
آخر تحديث 17-02-2026 | 20:06
 د. محمد المقاطع

هناك حالة من الوهم لدى جموع الناس تتواكب معها حالة من الإيهام اليوم يقودها أصحاب المصالح وكبار المُلّاك وسياسيون بشأن الذكاء الاصطناعي والعقل الإلكتروني، في محاولة منهم لترسيخ إيمان اعتقادي في نفوس الناس ينعكس بسلوك انقيادي واستسلامي من جموع الناس، يقودهم إلى الاعتقاد بقوة خارقة لدى الذكاء الاصطناعي تجعلهم يعتمدون عليه اعتماداً كلياً ويأخذون ما يزوّدهم به من معلومات وتحليلات واستنتاجات على أنها حقيقة مسلَّم بها، وهو ما تلمسه من بعض النقاشات الشفهية في هذا الشأن، وكذلك في الحوارات التي تتزاحم في «تويتر».

إن تصوير الذكاء الاصطناعي الخارق يهدف لخلق «إله جديد» يستسلم إليه الناس، ويقابله محاولة لإلغاء العقل البشري وقيمته المتفوقة، والذي هو ما ميّزه الله به (العقل) وكلفه بالرسالة بعد أن خلقه في أحسن تقويم، في محاولة ليكون الذكاء الاصطناعي أداة بديلة للتحكم بالبشر وعقولهم وتفكيرهم وكل شؤونهم، حينما يرسخ في نفوسهم وعقيدتهم أنه قادر على فعل كل الأمور - والعياذ بالله - اعتقادٌ يقترب من مرحلة تأليه الذكاء الاصطناعي على نحو مخيف ويمسّ العقيدة، فالله وحده من عنده مفاتح الغيب، والذي يدبّر ويحدد مسار حياة البشر بما تهديهم إليه عقولهم، وهو ليس من يسيطر عليه لكونه يملك قدرات خارقة تقترب في اعتقادهم لمرحلة الألوهية، أو هو كذلك في ظن كثير من الناس.

والصحيح هو أن الله، جل جلاله، هو وحده فقط من عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو:

فهذه بالنسبة لنا عقيدة ومنهاج وشرعة، فمن يتحكم بمفاتح الغيب هو الله، ومن يتحكم بالمستقبل ويعلمه هو الله، لكن يُراد لنا أن نؤمن بمستقبل تتحكم به عقول صناعية تحت مسمى الذكاء الاصطناعي، وإلغاء كل عقل إنساني وقبله نسيان أن الله هو الصانع والخالق والمتحكم بكل شيء.

ولعل الأنباء الكاذبة والمفبركة التي تحاول أن تصوّر الذكاء الاصطناعي أنه يملك شعوراً وعواطف وأحاسيس، كما صرّح رئيس شركة Anthropic بخصوص نموذج Claude، وهذا كذب بواح، وتدليس صارخ، فلا يمكن للآلة أن تتحول لبشر، فهم يحاولون أن يخلقوا إلهاً اسمه الذكاء الاصطناعي من شدة تصديق الناس أكاذيبهم!

‏نقول ذلك يقيناً بأن الخالق هو الله سبحانه وتعالى، وهو الذي قال في محكم تنزيله: ‏﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، (سورة الذاريات - 21)، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾، (سورة الإسراء - 85). 

‏والله جل شأنه وفي علاه ليس كمثله شيء، تمعن في الآية 11 من سورة الشورى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ هي أصل في توحيد الصفات ونفي التشبيه، حيث تنفي عن الله المثيل والنظير (لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله)، مع إثبات صفات الكمال (السمع والبصر) كما تليق بجلاله دون تكييف أو تعطيل أو تمثيل، مما يقطع الطريق على التشبيه.

فللجميع أقول: تمهّلوا وراقبوا حركة غسل الدماغ والتهويل التي تترافق مع الترويج للذكاء الاصطناعي ومحاولة تصويره أنه «خارق القدرات» و»متفاعل وتوليدي»، كأنه يملك قدرة ذاتية على التفكير، وهو مجرد خوارزميات رياضية تجمع وترتّب وتبحث ومحكومة بمسار مرسوم مسبقاً ممن صنعه وبرمجه ويغذيه بالبيانات فقط، وقدراته مرتبطة بالعقل البشري، ولا يمكن أن يعمل وحده في غياب العقل البشري. الواقعية نعمة والبحث عن العقل الخالق الآلي من دون الله سبحانه خرافة.

back to top