لبنان: الطوق يشتد حول حكومة سلام
بلغ الاحتقان في المجتمع اللبناني درجة متقدمة جداً، إلى مستوى بات بإمكان خطأ صغير في ملف أن يتسبب بانفجار كبير، وفي وقت يتوحد اللبنانيون حول الملفات المعيشية والاجتماعية والاقتصادية، لا سيما رفض إقرار ضرائب جديدة والشكوى من ارتفاع الأسعار، فإن خطر استخدام أي تحركات اجتماعية للتأثير على الملفات السياسية الإشكالية مثل ملف سلاح «حزب الله» أو الانتخابات النيابية، بات مرتفعاً.
في هذا السياق، جاءت البروفة الأولى لمثل هذا السيناريو خلال جلسة إقرار الموازنة المالية العامة، التي تزامنت مع تظاهرات للعسكريين المتقاعدين الذين تمكنوا من الوصول إلى مجلس النواب وفرض شروطهم، في مؤشر على قدرة جهات متعددة ومتقاطعة على إسقاط حكومة نواف سلام أو، بالحد الأدنى، تطويقها.
ويمكن لهذه البروفة أن تتكرر، لا سيما بعد قرارات الحكومة بشأن زيادة الرواتب مقابل فرض ضرائب، في وقت ترى الدول المعنية بالأوضاع في لبنان أن بيروت لا تزال تتلكأ في المُضي بالمسار المقبول دولياً، وهو ما يعزز مسارات الانفجار.
وللمفارقة، فإن هذه القرارات الاجتماعية التي اتخذتها الحكومة جاءت بالتزامن مع تقديم الجيش اللبناني خطته بشأن حصر سلاح «حزب الله»، وأن ملف السلاح الذي كان يُعدّ داهماً جداً وعنواناً للانقسام مرّ بسلاسة كبيرة داخل الجلسة، مما يفتح المجال أمام تساؤلات كثيرة.
ومن بين الاحتمالات أن تنسيقاً حصل قبل الجلسة لتمرير الخطة، بما فيها مهلة زمنية غير محددة بشكل حاسم للعمل في شمال نهر الليطاني، مع ربط الإنجاز بتوفير الظروف.
واستندت الحكومة، كما الجيش، إلى ما يقال إنه تفهّم أميركي للطروحات اللبنانية، لكن من غير المعلوم ما إذا كان هذا التفهم جدياً، أم أنه فخ مرسوم سيقع فيه لبنان لاحقاً، خصوصاً أنه لا واشنطن ولا تل أبيب، تبدوان في وارد القبول بأي مماطلة لبنانية ولا بأي صيغة تُعدّ توافقية بالمعايير المحلية اللبنانية.
اللافت أيضاً أن الجيش اللبناني لا يمتلك العديد والعتاد الكافي للعمل في شمال «الليطاني»، خصوصاً أنه ينشر في جنوب الليطاني نحو 10 آلاف عنصر، كما أنه ينشر فِرَقاً وألويةً عسكريةً في مناطق متعددة وغير قادر على سحبها، مما يعني أنه سيكون بحاجة إلى التطويع، في وقت لا تتوافر الأموال.
وفي هذه الأجواء جاءت قرارات الحكومة بفرض ضرائب لرفع الرواتب، مما أسهم في تحريك الشارع والدعوات إلى قطع الطرقات، وهو أمر يفرض على الجيش الانتشار لمنع قطع الطرقات الرئيسية، لا سيما في العاصمة، ما سيضيف الأعباء على الجيش ويصرفه عن تطبيق خطة حصر السلاح.
استحقاق آخر يبدو مرتبطاً بهذه التحركات أيضاً، وهو ملف الانتخابات النيابية التي تعمل قوى متنوعة على تأجيلها، وفي هذا السياق يمكن للاحتجاجات والتحركات الشعبية أن تسهم في تأجيل الانتخابات وسط الخلاف حول قانونها وكيفية تعديله.
وبالحد الأدنى يمكن لكل هذه التحركات أن تسهم في تطويق حكومة سلام ومحاصرتها بملفات ضاغطة.
وإن لم تصل الأمور حالياً إلى درجة محاولة إسقاط الحكومة، فإن هذا الخيار سيكون قائماً وممكناً في أي لحظة تتضارب فيها الرؤى والطروحات.