حين يحاكم العطاء

نشر في 18-02-2026
آخر تحديث 17-02-2026 | 17:36
 بدور المطيري

في إحدى الأمسيات، وبعد إعلان تبرُّع لمبادرة محلية، جاء التعليق سريعاً: «هذا بس!». كلمتان فقط، لكنهما تختصران أزمة كاملة في فهمنا لمعنى التبرُّع والعطاء. ما زلت أتذكَّر كيف تغيَّر وجه المتبرِّع، كردة فعلٍ على هذا التعليق، كأنه تلقَّى صفعة مباشرة، وكانت نتيجتها أنه حوَّل تبرُّعاته إلى خارج الكويت.

لم يكن السؤال عن الأثر، ولا عن الفكرة، ولا عن النتائج المتوقعة... كان عن الرقم، وكأن الخير تحوَّل إلى لوحة أسعار، يُقاس بحجم المبلغ، لا بعُمق الأثر. في تلك اللحظة بدا واضحاً لماذا يختار البعض أن ينقل أعماله الخيرية إلى خارج البلاد، ليس لأن الداخل لا يستحق، بل لأن الخارج سيكون بلا أحكام، وبلا ضجيج، وبلا مقارنات.

لا أحد يُجادل أبداً في أهمية دعم المشاريع الإنسانية خارج الوطن، الإغاثة، التعليم، الرعاية الصحية، وغيرها في المجتمعات الأشد احتياجاً. كلها مسؤولية أخلاقية، بل هي واجب إنساني ليس قابلاً للنقاش، لكن مَنْ يتصوَّر أنه لا احتياجات محلية حقيقية هو شخص واهم، وبعيداً عن الواقع ولا يعيش بيننا. هناك أُسر متعففة، وحالات إنسانية تحتاج إلى مد اليد لها. إن ما أُشير إليه هو التوازن بين الداخل والخارج، وهو ليس ترفاً، بل ضرورة.

المشكلة لا تكمن في النقد البنَّاء، أو المطالبة في الشفافية، فهذه عناصر صحية تعزز الثقة في العمل الخيري. المشكلة تبدأ حين يتحوَّل العطاء إلى ساحة أحكام اجتماعية، ومقارنات بين متبرِّعٍ وآخر. ضغط مباشر، أو تعليقات تقلل من قيمة المبادرات الخيرية. هذا المناخ، باختصارٍ شديد، لا يشجع على الاستمرار، بل يدفع إلى الانسحاب الصامت، أو إلى توجيه الدعم بعيداً عن دائرة الضوء المحلية.

والأهم من ذلك أننا كثيراً ما نحصر مفهوم التبرُّع بالمال فقط، وهذا اختزال ظالم، فالعطاء والتبرُّع قد يكون وقتاً، أو خبرةً، أو جهداً تطوعياً، ففي عصر الاقتصاد المعرفي الخبرة قد تصنع أثراً يفوق أي مبلغ.

حين نربط الخير بالأرقام وحدها، فإننا نحوِّله إلى سباق، فيما الأصل أن يكون مشاركة جماعية، كلٌ يقدِّم مما يملك، مالاً، وقتاً، معرفة، أو دعماً معنوياً. المجتمع الذي يفهم هذا التنوُّع يوسع دائرة الخير، بدل أن يضيِّقها.

إذا أردنا أن يبقى العطاء، فعلينا أن نغيِّر طريقة استقباله، وأن نتوقف عن المقارنات واستصغار العطاء، مهما كان يبدو قليلاً، فالخير لا يُقاس بعدد أصفاره، بل بعُمق استدامته، والأثر الذي يصنعه، سواء هنا أو هناك.

إن ما كتبته لا يلغي أبداً دور الكويت، حكومة، وشعباً، جُبلوا وتأصَّلوا على عمل الخير، الذي امتد إلى كل بقاع العالم، لكنني آثرت أن أنقل زاوية نقدية لموقفٍ حدث أمامي.

back to top