من يكتب النص يصنع الاستقرار

نشر في 16-02-2026
آخر تحديث 15-02-2026 | 18:29
 د. بلال عقل الصنديد

يُقاس نجاح المنظومة القانونية بجودة مكوناتها التشريعية وتكاملها، وقدرتها على تحقيق الاستقرار والوضوح والعدالة. فالقانون، في جوهره، ليس نصاً مكتوباً فحسب، بل أداة لتنظيم المجتمع وضمانة لحماية الحقوق وترسيخ الثقة بين الفرد والسلطات الدستورية. ومن هنا تبرز أهمية جودة الصياغة التشريعية بوصفها ركيزة أساسية للأمن القانوني.

يعني الأمن القانوني أن يكون الفرد قادراً على توقّع آثار القواعد القانونية، وأن يفهم حقوقه والتزاماته دون غموض أو تضارب، فعندما تأتي النصوص مشوبة بالالتباس، أو محمّلة بعبارات فضفاضة، أو متناقضة داخليًا، فإنها تفتح الباب أمام تفسيرات متباينة، وتُضعف الثقة في النظام القانوني، وتزيد من معدلات المنازعات القضائية. فالخلل في الصياغة لا يبقى حبيس الورق، بل يتحول إلى اضطراب عملي يمسّ المعاملات اليومية والقرارات الاستثمارية والاستقرار الاجتماعي.

وجودة الصياغة لا تعني الإطالة أو التعقيد، بل تعني الانضباط والتبسيط معًا، وتعني الدقة في اختيار المصطلحات والتمييز بين المتقارب منها، فـ«الأهداف» هي منطلق «الاختصاصات»، و«الرقابة الإدارية» تختلف عن «الوصاية»، كما تختلف «السلطة التقديرية» في آثارها عن «السلطة المقيّدة» من حيث نطاق حماية الحقوق وإمكانية الرقابة القضائية عليها.

إحكام التشريع يقتضي حسن ترتيب أحكامه ترتيباً منطقياً يراعي التسلسل من التعريف إلى الاختصاص إلى الجزاء، دون قفز أو تكرار أو إحالات خاطئة. كما أن الانضباط اللغوي والإملائي اللذَيْن يجعلان النص القانوني قابلاً للفهم ليسا مسألة شكلية، بل عنصراً جوهرياً في تحقيق اليقين القانوني، فالنص الجيد يُقرأ مرة واحدة ويُفهم، أما النص المرتبك فيحتاج إلى تأويل دائم وتفسيرات متعددة.

ترتبط جودة الصياغة ارتباطاً وثيقاً بمبدأ استقرار المراكز القانونية والاستقرار التشريعي، فالنص الغامض يفتح الباب أمام تعديلات متلاحقة لسدّ فراغ أو معالجة خلل كان يمكن تفاديه ابتداءً بحسن الصياغة. كما أن التعديلات المتكررة، أو تلك التي تُحدث أثراً رجعياً غير محسوب، تُضعف الثقة بالقانون وتُربك المعاملات وتُقوّض القدرة على التنبؤ بالآثار القانونية. ومن ثمّ، فإن التشريع الرشيد هو الذي يوازن بين مقتضيات التطوير ومتطلبات الاستقرار، فيصوغ أحكاماً واضحة وفعّالة في إحقاق الحقوق وفرض الالتزامات، بما يحمي المراكز القانونية القائمة ويمنح المخاطبين مهلة معقولة للتكيّف مع القواعد الجديدة دون اضطراب أو مفاجأة.

ومن منظور أوسع، فإن جودة التشريع تُجسّد احترام مبدأ سيادة القانون، إذ يُفترض في النص المنضبط أن يمنع الانحراف في التطبيق وتجاوز حدود الاختصاص. فكلما كانت القواعد دقيقة ومحددة، تقلّصت احتمالات الطعن بسبب الغموض أو سوء التفسير، وتعزّزت حصانة القرارات الإدارية من الإلغاء لعيوب الصياغة، وخفَّ العبء عن القضاء، وتضاءلت احتمالات تضارب الاجتهادات.

وحريّ بالبيان أن أهمية جودة الصياغة التشريعية تتعاظم مع تسارع التشريع في المجالات الاقتصادية والتنظيمية، فالمستثمر والمواطن والموظف العام جميعهم بحاجة إلى نصوص دقيقة وواضحة تُحسن ضبط الاختصاص وتمنع التضارب. فالأمن القانوني لا يتكوّن في أروقة المحاكم، بل يبدأ من اللحظة الأولى التي يُصاغ فيها النص. والتشريع الرشيد ليس مجرد قواعد جامدة، بل هو بناء مؤسسي متماسك يقوم على وضوح الرؤية ودقة العبارة، وغايته الأسمى ترسيخ الثقة وتعزيز الاستقرار قبل أن يفرض التزامات أو يرتب جزاءات.

* كاتب ومستشار قانوني

back to top