طقوس مقاومة الفناء: وصايا ما قبل الصمت

نشر في 15-02-2026 | 15:27
آخر تحديث 15-02-2026 | 15:27
No Image Caption

لم أقرأ هذا النص بوصفه عرضاً في علم النفس، بل بوصفه مرآة وجودية. قراءة تأملية استُلهمت من كتابٍ واحد ذُكر مرة واحدة في هذا المقال، ثم تُرك أثره يعمل في الخلفية: «إنكار الموت» لإرنست بيكر. ما يهمّ هنا ليس المؤلف، بل الصدمة الهادئة التي يتركها السؤال: لماذا نحتاج إلى أن تكون حياتنا ذات معنى؟ ولماذا لا يكفينا أن نحيا ثم نفنى؟

إن الإنسان، في جوهره، لا يعيش ليبقى حياً فقط، بل ليشعر أن وجوده ذو قيمة، وهذا الإحساس بالأهمية ليس ترفاً نفسياً، ولا انحرافاً نرجسياً كما يُصوَّر أحياناً، بل شرطاً داخلياً يسمح لنا بأن ننهض كل صباح، ونواصل العيش رغم علمنا – أو شبه علمنا – بأن النهاية حتمية.

يمكن تسمية هذا السعي الدائم نحو المعنى بـ«البطولة»، لا بالمعنى الملحمي أو الاستعراضي، بل بوصفه مشروعاً رمزياً يمنح الإنسان شعوراً بأنه تجاوز محدوديته البيولوجية. نحن لا نرضى بأن نكون مجرد أجساد إلى زوال، ولا أسماء قابلة للنسيان. نريد أثراً، اعترافاً، ودوراً في قصة أكبر من أعمارنا.

من هذا المنظور، لا تعود البطولة استثناءً، بل قاعدة خفية تحكم السلوك البشري. العامل البسيط، الطبيب، الأم، رجل الدين، المفكر، وحتى المستهلك في السوق الحديث... جميعهم يبحثون –بطرق مختلفة– عن صيغة يقولون بها للعالم: «وجودي له معنى».

حين تُفهم النرجسية خارج بعدها الوجودي، تتحول إلى تهمة أخلاقية. أما حين تُقرأ بعمق، فإنها تظهر كطاقة بقاء رمزية: تمسّك الكائن الحي بذاته في وجه الفناء. الطفل الذي يطلب الاهتمام لا يفعل ذلك بدافع الشر، بل بدافع الحاجة إلى الاعتراف، والراشد الذي يسعى للإنجاز أو التقدير لا يختلف كثيراً، إلا في أدواته.

إفراغ الإنسان من هذا البعد، وتحويله إلى آلة أخلاقية باردة، يُفقد الفعل الإنساني وقوده الأساسي: الشعور بالقيمة.

كل مجتمع يقدّم لأفراده نظاماً غير معلن للمعنى. منظومة من القيم والأدوار تُخبر الإنسان كيف يكون «شخصاً ذا قيمة». الدين، القومية، العمل، العلم، المال، العائلة... ليست مجرد مؤسسات، إنما أطر تمنح الفرد شكلاً من الخلود الرمزي. من دونها، يواجه الإنسان الفناء بلا قصة تحميه.

وحين تضعف هذه الأطر أو تنهار، لا تختفي الحاجة إلى المعنى، بل تبحث عن بدائل مشوّهة: استهلاك مفرط، شهرة فارغة، عنف، تطرف، أو عبادة الجسد والنجاح. ليست هذه الظواهر دليل شر بقدر ما هي علامة جوعٍ إلى معنى لم يعد المجتمع يعرف كيف يقدّمه

إنكار الفناء: كذبة أم رحمة؟

إنكار الفناء ليس خداعاً ساذجاً، بل آلية رحيمة، فالوعي الكامل بالموت –لو تحقق– قد يشلّ الحياة نفسها، لذلك يعيش الإنسان في منطقة وسطى: يعرف النهاية، لكنه لا يسكنها وعياً كاملاً. في هذا الفراغ بين المعرفة والإنكار، تولد الأساطير، والمشاريع الكبرى، وكل ما يجعل الحياة محتملة.

ليس الطب مهنة محايدة، ولا الطبيب كائناً خارج هذه المعادلة. خلف المعرفة والبروتوكولات والزي الأبيض، يتحرك دافع إنساني عميق: رغبة الطبيب نفسه في أن يكون ذا معنى.

في غرف المستشفيات، حيث تُختزل الحياة إلى مؤشرات وأرقام، يمارس الإنسان أحد أكثر طقوسه الرمزية تعقيداً: طقس مقاومة الفناء. فالطب، في جوهره العميق، ليس علم شفاء فحسب، بل نظام بطولة حديث، صامت، ومُقنّع بالعلم.

الجهاز الذي يراقب النبض لا يطمئن الجسد وحده، بل يهدّئ قلق الوعي. والصدمة الكهربائية لا تعيد النظم القلبي فقط، بل تُعيد للإنسان وهم السيطرة، وتقول له: لم تنتهِ القصة بعد. حتى المصطلحات الطبية – الإنعاش، الإطالة، الدعم، الفشل – ليست بريئة لغوياً، إنها مفردات سردية في معركة ضد النهاية.

يدخل الطبيب المهنة بوعد غير معلن: أن يقف في الجهة الأخرى من الفناء. لا ليهزمه، بل ليؤجّله، أو ليمنحه شكلاً أقل فوضى. في كل إنعاش ناجح، وفي كل قرار حاسم، وفي كل حياة تُستعاد من الحافة، يتسلل إحساس خافت بالبطولة. ليس بطولة صاخبة، بل تلك التي تقول للذات: «كنتُ حاضراً حين كان الغياب ممكناً».

غير أن هذه البطولة، حين تتجاوز مقاصدها، قد تتحول إلى عبء، فالإصرار على الإنقاذ قد يخفي خوفاً من الإحباط، وعجزاً عن الاعتراف بأن للجسد نهاية لا تخضع لمهارتنا. وهنا يصبح الطب ساحة إسقاط: معركة يخوضها الطبيب ضد موته الشخصي بقدر ما يخوضها من أجل مريضه.

بهذا المعنى، يكون أخطر أشكال إنكار الفناء ذاك الذي يرتدي قناع الفضيلة. وحين يتحول البحث عن البطولة إلى هوس بالنتائج، يفقد الطب بعده الرمزي، ويتحول الطبيب إلى تقني قلق، لا إلى إنسان مسؤول.

الطبيب لا يعالج فقط، بل يشهد. يشهد هشاشة الجسد، وحدود السيطرة، وانكسار اليقين. وهذه الشهادة هي امتحان البطولة الحقيقي: هل يستطيع أن يظل إنسانياً حين لا يستطيع أن يكون منقذاً؟ هل يقبل أن تكون بطولته أحياناً في الامتناع، في المصاحبة، في الصمت؟

تأمل أخير

كطبيب، وكإنسان واجه هشاشة الجسد عن قرب، لا أستطيع قراءة هذه الأفكار قراءة نظرية بحتة. مواجهة المرض – أي مرض يذكّرنا بقابليتنا للفناء – لا تُلغي حاجتنا إلى البطولة، بل تعيد صياغتها، فالبطولة هنا لا تعود صراخاً ضد الموت، بل وعياً بالزمن، وانتباهاً حاداً لكل لحظة تُمنح الطبيب، بحكم مهنته، يعيش داخل هذا التوتر يومياً: بين إنقاذٍ ممكن، ونهايةٍ لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية. ومع كل قرار، يتعلّم أن الزمن ليس مورداً تقنياً، بل قيمة أخلاقية. أن تُنقذ حياة لا يعني أن تُلغي الفناء، بل أن تمنح الإنسان فرصة ليعيش ما تبقّى منه بكرامة ومعنى.

هنا فقط تتقاطع الرؤية التي انطلق منها هذا المقال مع التجربة الطبية في أعمق مستوياتها: البطولة لا تكمن في هزيمة الموت، بل في عدم تحويل إنكاره إلى عنف، لا عنف على الجسد، ولا على الذات، ولا على الآخر. وربما تكون أرقى أشكال البطولة الإنسانية – في الطب كما في الحياة – هي أن نعرف متى نتدخل، ومتى نرافق، ومتى نكتفي بالشهادة الصامتة على ما يجعل الإنسان إنساناً.

بهذا المعنى، لا يعود الطبيب بطلاً لأنه أقوى من الموت، بل لأنه تعلّم أن يعمل في ظله دون أن يفقد إنسانيته.

طبيب واستشاري في الكويت

back to top