ميونيخ هي دافوس الغد
إذا أردت أن تفهم إلى أين يتجه العالم، فلا تنظر إلى دافوس، راقب ميونيخ بدلاً من ذلك.
لعقودٍ تلت نهاية الحرب الباردة، مثَّل «المنتدى الاقتصادي العالمي» التجمُّع السنوي الأبرز لنُخب السياسة والأعمال في العالم. الفكرة كانت بسيطة ومغرية: يمكن تحسين الأسواق عبر العولمة والتعاون، ويمكن فصل الاقتصاد عن الجغرافيا السياسية. في دافوس، لم يكن يُنظر إلى الأمن القومي أو الصراعات الجيوسياسية بوصفها قيوداً حقيقية على النمو الاقتصادي العالمي.
هذه الفرضية لم تعد صالحة. اليوم، تتشكَّل الأسواق بفعل الحروب والعقوبات والسياسات الصناعية والتوترات الجيوسياسية. هذه العوامل لم تعد هامشية، بل أصبحت مركزية، ويجري نقاشها بوضوح أكبر في المنتديات الأمنية. وأبرز هذه المنتديات هو «مؤتمر ميونيخ للأمن».
غزو روسيا لأوكرانيا كشف عن هذا التحوُّل بوضوح. فقدت أوروبا وصولها إلى الغاز الروسي الرخيص، وارتفعت ميزانيات الدفاع، وقفز التضخم. قطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة- كالكيماويات والأسمدة والألمنيوم- خفَّضت إنتاجها، أو غادرت القارة. هذه لم تكن نتائج قوى السوق المجرَّدة، بل قرارات دول تتعلَّق باستخدام القوة، وفرض العقوبات، والالتزامات التحالفية.
العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تسير في الاتجاه نفسه. ضوابط التصدير، وقيود الاستثمار، وحظر التكنولوجيا حوَّلت أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم إلى أدوات قوة وطنية. تايوان لم تعد خطراً جيوسياسياً بعيداً، بل أصبحت عاملاً أساسياً في قرارات الاستثمار طويلة الأجل.
ومع ذلك، لا يزال جزء كبير من الخطاب الاقتصادي العالمي عالقاً في إطار قديم. دافوس ما زال يتحدث بلغة «الإجماع» و«رأسمالية أصحاب المصلحة» و«التنسيق العالمي». هو بارع في إنتاج سرديات مطمئنة، لكنه أقل قدرة على التعامل الصريح مع مفاهيم الإكراه والردع والتصعيد- وهي القوى التي تحدد اليوم كثيراً من النتائج الاقتصادية.
ميونيخ أكثر ملاءمة لهذا العالم الجديد. فهو ليس منتدى أعمال، بل منصة يجتمع فيها رؤساء دول ووزراء دفاع وقادة عسكريون ورؤساء أجهزة استخبارات- أي أولئك الذين يقررون متى تُفرض العقوبات، ومتى تُستخدم القوة، وأين يُسمح بالتصعيد. النقاش هناك غير عاطفي، لأن العواقب حقيقية. الفشل هنا يعني صراعاً فعلياً.
قبل الحرب الأوكرانية بسنوات، ناقشت جلسات ميونيخ بجدية اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية، ومصداقية ردع «حلف شمال الأطلسي»- قضايا نادراً ما حظيت بالأولوية في أماكن أخرى. وما يُناقش بجدية في ميونيخ غالباً ما يتحوَّل إلى سياسة خلال سنوات قليلة.
هذا ينطبق بوضوح على التكنولوجيا. فبعد عقود من افتراض أن التكامل الاقتصادي يقود إلى تجارة حُرة، أصبحت التقنيات المتقدمة أصولاً استراتيجية تخضع لضوابط أمن قومي. قرارات الاستثمار لم تعد تجارية فقط، بل سياسية أيضاً.
هذا لا يجعل دافوس بلا قيمة. لا يزال مفيداً للتنسيق وإرسال إشارات إجماع نخبوي. لكن هذه لم تعد الإشارات الأهم لعالم تحكمه الصراعات.
بالنسبة للمستثمرين والمديرين التنفيذيين، لم تعد السياسة الخارجية ضجيجاً في الخلفية. يجب أن تكون في صميم القرار. «دافوس» يمنح الطمأنينة، أما «ميونيخ» فيمنح البصيرة. والأسواق باتت تكافئ مَنْ يدرك الفرق.
* ماركو فيسينزينو الرئيس التنفيذي لمشروع الاستراتيجية العالمية