فاطمة الملا... حين تكون الرحمة فعلاً لا شعاراً
رمضان على الأبواب، ومع اقترابه تعود إلى الواجهة قِيم التكافل والتراحم التي عُرفت بها الكويت عبر تاريخها. لكن هذا العام يأتي الشهر الفضيل في ظل واقعٍ اقتصادي صعب، وارتفاع تضخم يُثقل كاهل الأُسر والمقيمين على حدٍّ سواء.
نحتاج اليوم إلى تحرُّك فعلي من التجار الوطنيين الحقيقيين، أولئك الذين يؤمنون بأن المال مسؤولية قبل أن يكون مكسباً، وأن السوق ليس مجرَّد أرقام وهوامش ربح، بل هو مجتمع وأُسر وحياة يومية لمواطنين ووافدين يعانون غلاءً متصاعداً بلا رحمة.
أسعار السلع الأساسية ترتفع، والإيجارات تُثقل كاهل الناس، والمصاريف تتضاعف، فيما الرواتب تكاد تُراوح مكانها. وفي مثل هذا الظرف، يصبح دور القطاع الخاص- خصوصاً كبار التجار وأصحاب العقارات- محورياً في تخفيف المعاناة.
نحتاج مبادرة حقيقية من التجار لتخفيض أسعار السلع خلال رمضان، ودعم المنتجات الأساسية، وإطلاق حملات فعلية تخفف العبء عن الأسر محدودة الدخل. كما نحتاج من أصحاب العقارات وقفة إنسانية صادقة: إعفاءات جزئية من الإيجارات، تأجيل دفعات، أو تخفيضات مؤقتة خلال هذا الشهر الكريم.
ومثل هذه المواقف ليست غريبة على أهل الكويت. تاريخنا مليء بنماذج مشرّفة للتكافل الحقيقي بعيداً عن الأضواء. ومن أصدق هذه النماذج الفاضلة فاطمة الملا، التي تُعد يقيناً من أقدم أصحاب العقارات في الكويت، ومع ذلك بقيت إيجاراتها هي الأقل قيمة والأكثر رحمة بالناس. هذه هي الرحمة الحقيقية، لا الشعار المتداول.
نعم، هي فاطمة الملا، زوجة حكيم الكويت الراحل د. أحمد الخطيب، رحمه الله وغفر له، وقد جسَّدت بمعناها العملي أسمى صور العطاء الإنساني، حيث كانت تعفي المستأجرين في كل رمضان من الإيجارات، وتعتبر ذلك واجباً دينياً ووطنياً وأخلاقياً. واليوم يواصل أبناؤها وأحفادها هذا النهج النبيل، بصمتٍ وهدوء، من غير ضجيج إعلامي ولا استعراض.
هذه هي الروح التي نريد إحياءها من جديد: روح الكويت الأصيلة، رمضان موسم للقِيم الكبرى. والمبادرات الحقيقية هي تلك التي تُصنع في صمت، وتصل مباشرة إلى الناس، وتترك أثراً ملموساً في حياتهم اليومية.
لسنا ضد الربح ولا ضد التجارة، فهذه سُنَّة الحياة ومحرِّك الاقتصاد، لكننا نؤمن بأن للتجارة أخلاقاً، وللثروة وظيفة اجتماعية، خصوصاً في الأوقات الصعبة والاستثنائية. وما أجمل أن يستقبل التجار رمضان هذا العام بإعلانات مختلفة: إعلان تخفيضات حقيقية، إعلان إعفاءات إنسانية، إعلان تضامن فعلي مع المجتمع، بدلاً من سباق الأرباح المعتاد.
إن المجتمع الكويتي، مواطنين، ووافدين، ينتظر اليوم لفتة صادقة من أصحاب القرار الاقتصادي. فالمبادرات الرمضانية امتداد لقِيم راسخة قامت عليها هذه الأرض الطيبة.
الكويت، عبر تاريخها، لم تُبنَ بالمال وحده، بل بقلوب أهلها وتكاتفهم في الشدائد. لذلك، فإن الدعوة اليوم موجَّهة لكل تاجر ومالك عقار ورجل أعمال: اجعلوا من هذا الشهر محطة خير حقيقية، وكونوا جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة. أعيدوا الثقة بين السوق والمجتمع، وبين رأس المال والإنسان.
مبادرة واحدة صادقة قد تزرع الأمل في آلاف البيوت، وتخفف عن آلاف الأُسر، وخير الكويت سيبقى دائماً في أهلها، وفيمن يؤمنون بأن العطاء في رمضان عبادة، وأخلاق، ووطنية حقيقية متجذرة في وجدان هذا البلد.